ماما عواطف

عواطف هي الاخت الكبرى.

كانت امرأة مستقرة، متزوجة وسعيدة في حياتها، تعمل في وظيفة تحبها وتتقاضى راتبا جيدا.

كانت حياتها تسير بهدوء، إلى أن جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء.

في أثناء وجودها في العمل، رن هاتفها.

على الطرف الآخر كان بكاء إخوتها الصغار وصراخهم يملأ السماعة.

لم تستوعب الخبر كاملا، وسقطت مغشى عليها قبل أن تدرك ما قيل لها.

وعندما أفاقت، تمنت بكل قلبها أن يكون ما سمعته مجرد حلم ثقيل.

وصلت إلى بيت أسرتها، فتسابق إخوتها الصغار إلى حضنها وهم يبكون.

كان الحادث قد وقع، ووالداهم توفيا. المستشفى حاول التواصل مع العائلة، لكنه لم يجد سوى أطفال صغار لا يملكون إجابة ولا قرارا.

ذهبت عواطف إلى المستشفى لتودع والديها للمرة الاخيرة، وتسلم شهادات الوفاة.

كان زوجها إلى جانبها، تولى عنها كل الاجراءات، وحاول أن يخفف عنها ما استطاع.

بعد اسبوع من بقائها مع إخوتها، طلب منها زوجها العودة إلى البيت، لكنها رفضت.

لم يكن في مقدورها أن تترك إخوتها وحدهم، فمغادرتها تعني انتقالهم إلى دار رعاية الايتام.

وضعها زوجها أمام خيار قاس: إما هو، أو هم.

ولم تتردد. اختارت إخوتها.

انفصل الزوجان، وبقيت عواطف مع إخوتها، ترعاهم وتحتضنهم وتنفق عليهم من راتبها.

ادخلتهم افضل المدارس، وحرصت على تعليمهم، وكانت تؤمن أن العلم هو الامان الحقيقي لهم.

وعندما كبر بعضهم وأراد العمل لمساعدتها، رفضت بشدة، وأصرت أن يكمل الجميع دراستهم الجامعية.

مرت السنوات، وأنهى إخوتها دراستهم واحدا تلو الآخر.

لم تتركهم إلا وقد أصبح لكل واحد منهم عمله، وبيته، وحياته المستقلة.

تزوجوا جميعا وغادروا المنزل، لكنهم لم يغادروا قلبها.

صاروا يجتمعون كل اسبوع عندها، وأصبح أطفال إخوتها ينادونها: ماما عواطف.

بعضهم كان يتمنى البقاء معها أطول وقت ممكن، لما وجد عندها من عطف وحب واحتواء.

وعندما تقاعدت أخيرا، لم يتوقف عطاؤها. افتتحت مدرستها الخاصة للاطفال، واستمرت في منح الحنان لكل من اقترب منها. كانت تملك قلبا كبيرا، مليئا بالحب، لا يعرف التعب.

وفي المدرسة كما في البيت، كان الجميع ينادونها باسم واحد، اسم لم تمنحه لنفسها، بل منحته لها الحياة:ماما عواطف

أضف تعليق