
كانت براسيلا هاوزر في طفولتها فتاةً تحبّ الألوان قبل أن تعرف أسماءها.
وُلدت في عائلة بسيطة تؤمن بالعمل والضيافة، وكان والدها يشجعها على ملاحظة الأشياء الصغيرة في الحياة : ظل الأشجار، انحناءة زهرة الربيع، لون الفراشة عند الفجر.
لم تكن تعلم حينها أن هذا الشغف سيتحوّل يومًا إلى رسالة تنشرها إلى آلاف النساء حول العالم.
في سن المراهقة، بدأت براسيلا تجربة الرسم للمرة الأولى.
لم يكن لديها أدوات فنية كثيرة، فقط فرشاة قديمة وألوان رخيصة ودفتر أبيض.
لكنها اكتشفت شيئًا ساحرًا: يمكن للخط الواحد أن يغيّر شكل الورقة، ويمكن للفرشاة أن تخلق عالمًا جديدًا بالكامل.
ومع مرور الوقت، أصبحت تقضي ساعات طويلة أمام نافذة غرفتها ترسم الزهور والأوراق والطيور.
لم يكن أسلوبها واقعيًا تمامًا، ولم تكن تحاول أن تكون كمن يرسمون في المعارض، لكنها كانت ترسم بروحها.
وحين أصبحت شابة، اتخذت قرارًا جريئًا : أن تعلّم الرسم للآخرين.
في الستينات، لم يكن من المألوف أن تختار فتاة صغيرة من توسكا أوكلاهوما مسارًا فنيًا مهنيًا، لكن براسيلا صنعت مسارها بنفسها.
بدأت بدورات صغيرة داخل المراكز المجتمعية، وكانت تصمم الدروس بنفسها.
لم تكن فقط تعلّم كيف يُمسك المتدرب بالفرشاة، بل كانت تشرح لهم كيف يُمسك بالقلب أثناء الإبداع.
تؤمن أن كل شخص قادر على الرسم… فقط يحتاج من يشعل الشرارة.
تدريجيًا، أصبح عدد المتدربات يتزايد.
كانت النساء اللاتي يحضرن دروسها يشعرن بأن الرسم ليس مجرد هواية، بل مساحة للراحة، ومساحة للتعبير، ومساحة لإعادة اكتشاف الذات.
بعضهن كنّ أمهات يقضين وقتًا طويلًا في شؤون المنزل، وبعضهن متقدمات في السن يبحثن عن معنى جديد للحياة اليومية، وأخريات شابات يرغبن في اكتشاف مواهبهن.
ومع كل درس، كانت براسيلا تفتح نافذة صغيرة في قلوبهن نحو الإبداع.
وفي السبعينات، بدأت براسيلا تطوير ما أصبح لاحقًا أسلوبها الشهير في الرسم الزخرفي.
كانت تؤمن أن الزخرفة ليست مجرد “زينة”، بل هي طريقة لإعطاء الأشياء روحًا جديدة : صندوق خشبي يصبح كنزًا، طبق عادي يتحوّل إلى هدية، ولوح سياج يصبح لوحة ربيعية.
أهم ما ميّز أسلوبها هو تقنية الفلوتينغ Floating ، وهي الطريقة التي تمنح الرسومات ظلًا وإضاءة تجعلها تبدو نابضة بالحياة.
كانت هذه التقنية بسيطة بما يكفي للمبتدئات، لكنها جميلة بما يكفي لجعل أي عمل فني يبدو محترفًا.
في الثمانينات والتسعينات، انتشرت شهرة براسيلا في أمريكا وخارجها.
ظهرت في المجلات، وأصدرت كتبًا، وقدّمت برامج تعليمية، وكانت تُدعى إلى المؤتمرات.
لكن رغم كل هذا النجاح، بقيت وفية لرسالتها الأساسية: تمكين النساء من خلال الفن.
كانت تقول دائمًا:
“عندما تمسك امرأة بالفرشاة، فهي لا تُلوّن الخشب… بل تُلوّن حياتها.”
أسّست أيضًا “المنظمة الوطنية لرسامي الزخرفة” التي أصبحت بيتًا كبيرًا للفنانات والمبتدئات.
في هذه البيئة، تشارك النساء تجاربهن، يعرضن أعمالهن، ويشجعن بعضهن البعض.
لم يعد الرسم نشاطًا فرديًا بل مجتمعًا كاملًا من الدعم والإلهام.
ومن أجمل إنجازاتها أن كثيرًا من السيدات اللواتي بدأن معها من نقطة الصفر أصبحن مدرّسات بدورهن.
بعضهن فتحن مشاريع صغيرة، يبعن فيها هدايا فنية أو يدرسن الأطفال.
كان هذا بالنسبة لبراسيلا مصدر فخر كبير، فهي تؤمن أن الفن لا يقل أهميّة عن أي علم، وأن تعليم امرأة واحدة قد ينتشر أثره عبر الأجيال.
حتى أعمالها الشهيرة مثل “أرنب السياج الربيعي” كانت دائمًا مصممة بأسلوب يجعلها أقرب إلى القلوب.
شخصياتها دائمًا مبتسمة، دافئة، ومليئة بالألوان المحبة للعين.
لم تكن تركز على التعقيد، بل على الشعور الذي تمنحه القطعة الفنية لكل من يصنعها أو يراها.
ومع مرور السنين، بقيت براسيلا هاوزر رمزًا للحرف اليدوية النسائية في أمريكا.
لم تكن مجرد فنانة… كانت معلمة، مُلهمة، وشخصية رفعت قيمة الفن المنزلي وحولته إلى حركة فنية كاملة.
أثرت في مسار آلاف النساء، وأثبتت أن الإبداع يمكن أن يبدأ من أبسط الأدوات ويصل إلى أبعد القلوب.
وفي كل مرة تمسك فيها امرأة بفرشاة وتبدأ بتلوين صندوق، أو لوحة، أو قطعة خشب، ثمة شيء من براسيلا يتحرك معها تلك الروح التي آمنت بأن الفن ليس رفاهية، بل طريقة للحياة.
الفن ليس رفاهية، بل طريقة للحياة