
لم يكن الحاج سالم رجلاً عاديًا.
كان معروفًا في تجارته، محبوبًا بين الناس، مبتسمًا على الدوام.
ولكن مثل كثير من المشغولين كانت خطواته سريعة، وقراراته أكثر سرعة، وكثيرًا ما وثِق بالبشر قبل أن يُجرّبهم، وأعطى مفاتيح قلبه قبل أن يختبر المقابل.
في صباحٍ حار من أيام الصيف، وقف السائق الجديد مروان أمام باب بيته.
شابٌ نظيف المظهر، ملامحه هادئة، صوته منخفض وكلماته موزونة.
قدّم أوراقه، وتحدث بأدب، وظهر كأنه الشخص المثالي.
ابتسم الحاج سالم ورحّب به دون تردد ، وقال في داخله: “الناس بخير إن شاء الله… لنجرب.”
وكانت تلك أول خطوةٍ في القصة.
الصداقة التي بدأت من المقعد الأمامي
مرت الأيام بسرعة.
مروان لا يتأخر، ولا يُجادل، ولا يرفع صوته.
يقود باحتراف، ينزل ليفتح الباب كل يوم في نفس اللحظة ،ويقول بابتسامة مجاملة: “يوم موفق يا حاج!”
وفي السيارة بين الإشارات ،كان الحاج يتحدث، يفضفض، يشكو من ضغط العمل ،من خيانة بعض الشركاء،من مشاكل السوق.
وكان مروان ينصت جيدًا… جيدًا أكثر من اللازم.
بعد أسبوعين فقط ،بدأ الحاج يتحدث عن حياته الخاصة: عن زوجته ،عن اختلافه مع ابنته ،عن ابنه الذي لا يريد التجارة، عن مشاكله الأسرية التي لم يكن يعرفها أقرب الناس إليه.
لم يكن مروان يعطي حلولًا ،لكن يكفي أنه كان يعطي أذنًا صامتة.
وأحيانًا كانت الأذن الصامتة أخطر من الفم المتكلم.
التفضيل… خطوة بلا انتباه
في المنزل لاحظ الأبناء تغيّر والدهم.
ابتسامته الحنونة التي كانت لهم ،صارت تُهدى لسائق لا يعرفونه.
ضحكاته الصافية أصبحت تُسمع عندما يتحدث عبر الهاتف مع مروان.
حتى حين يأتون ليحدثوه ،كان ينظر في هاتفه متابعًا رسائل السائق الجديد.
لم يكره أبناؤه السائق ،لكنهم شعروا بأن أبواب البيت التي يجب أن تُفتح بحذر .
فُتحت لشخص لا ينتمي إليه
وهنا تبدأ أحد أخطر البدايات: عندما نستبدل المُقرّبين بغرباء لأنهم لا يجادلوننا، ولا يطلبون منا مسؤولية.
مفاتيح الثقة
في أحد الأيام ،تأخر الحاج سالم عن اجتماع مهم ،فأعطى للسائق مفاتيح المكتب ليُحضّر الأوراق.
مرّ الأمر بسلام.
وفي كل مرة كان يُكلّفه أكثر ،يعود كل شيء بترتيب أفضل.
النجاح يُغري ،والاعتماد يُعمي،والثقة إذا طغت ألغت الحذر.
قال له الأبناء يومًا: – أبي، لا ينبغي أن يعرف مروان كل شيء.
فأجاب بابتسامة مختصرة: هو مثل ولدي… أنتم لا تعرفونه.
وكثيرًا ما كلمة “أنتم لا تعرفونه” هي بداية أننا لا نعرف نحن أنفسنا.
الغفلة ليست طيبة قلب دائمًا
مرت الشهور ،وكان مروان يسأل أسئلة تبدو لطيفة:
– متى تسافر يا حاج؟
– من يتولى المكتب في غيابك؟
– أين تحفظ العقود القديمة؟
أسئلة بسيطة…
لكن الخطر دائمًا يأتي بثياب بسيطة.
وعندما يجد الإنسان من يستمع دون أن يعترض ،يبدأ الحديث يأخذ شكل الأسرار،والأسرار تنتقل من القلب…
إلى اللسان…إلى شخص لا نعرف جذوره.
ليلة السفر
حين حان موعد رحلة العمل ،اقترب الحاج سالم من السائق ،وأخبره بموعد العودة، وقال بثقة عالية:
– البيت في عهدتك، والمكتب أيضًا… أنت أعرف بكل شيء.
ابتسم مروان، ابتسامة كانت مختلفة ولكن الحاج لم ينتبه ،وقال بصوته الهادئ المعتاد:”اطمئن تمامًا.”
قالها بلهجة مطمئنة… لكنها كانت طمأنينة مؤقتة تُسبق العاصفة.
الحقيقة لا تأتي بصوت عالٍ أحيانًا تأتي بصمت
عاد الحاج سالم ،فتح باب مكتبه ،شعَر أن المكان قد تغير قليلًا فقط لكن قلبه شعر بالكثير.
بعض العقود لم تكن في مكانها القديم.
بعض الأوراق بدت وكأن أحدًا صوّرها ثم أعادها.
المفاتيح تُدهشك حين تفتح ،وأحيانًا تُدهشك أكثر حين لا تُقفل ما يجب أن يُقفل.
اتصل الحاج بمروان…رد الجهاز بأن الرقم خارج الخدمة.
أرسل رسائل…انتظره يومًا… يومين… أسبوعًا.
وحين سأل عنه في الحي الذي قال إنه يسكن فيه ،قالوا له ببرود: “نعم… مرَّ من هنا.
شخص طيب… لكن لا نعرف أين ذهب.”
كان وكأنه جاء من الفراغ وعاد إليه.
الندم يأتي متأخرًا لكنه يأتي بصوت واضح
جلس الحاج سالم في غرفته وكان أول مرة منذ زمن طويل يجلس فيها مع نفسه بصدق.
نظر إلى الصور على الرف:
صور أولاده وهم صغار يوم تخرج ابنه،يوم نجاح ابنته ضحكات تجمعهم حول مائدة الطعام.
قال بصوت خافت مؤلم:
“أبدلت القريب بالبعيد…لأن البعيد لم يُخالفني يومًا، والقريب قال رأيه بحُب فظننته اعتراضًا.”
دروس لا تُنسى
الثقة ليست هدية تُقدم… إنها مسؤولية تُكسب
لا تمنح ثقتك لمن أراحك فقط ، بل لمن يستحقها لمن ظهر معدنه في الشدة لا في الابتسامة.
الصراع مع أهلك أهون بكثير من الراحة مع الغرباء الأبناء يناقشون يعترضون،يغضبون لكنهم لا يحملون نوايا خلف صمتهم.
لا تفتح أبواب أسرارك للناس لأنها “لحظة راحة”
الراحة اللحظية قد تجلب ألمًا طويلًا،والكلام الذي نقوله لنرتاح…قد يُستخدم في يوم لجرحنا.
اللطف لا يعني الأمان
الابتسامة ليست هوية والهدوء ليس دليلًا على النقاء.
لا تستبدل بأهلك رفقة مؤقتة
الأهل قد يخطئون لكنهم لا يخرجون من الباب عندما يسقط الضوء الأخير.
الوعي… أهم من الطيبة
قمة الطيبة أن تثق ، لكن قمة الحكمة أن تحمي هذه الثقة.
قمة الإنسانية أن نساعد لكن قمة النضج أن نختار لمن نمد أيدينا.
قمة الاحترام أن نحسن الظن لكن قمة العقل ألا نسمح للظن أن يعمي أعيننا عن الحقيقة.
الخاتمة
لم يفقد الحاج سالم كل شيء أعاد ترتيب حياته اعتذر من أبنائه وتعلم أن الحوار أحيانًا أجمل من الصمت وأن الاستماع لأهلك واجب لا خيار وأن الاحترام ليس في الابتسامة…بل في الموقف.
وفهم أن الغرباء قد يكونون طيبين،وقد يكونون سيئين لكن الحذر لا يُعد إساءة والتحقق ليس قلة ثقة والاختيار ليس ظلمًا.