
في قرية صغيرة تحيط بها الحقول الخضراء من كل جانب، عاشت أمينة، امرأة ريفية بسيطة اعتادت أن تقول: اليوم الذي لا أعمل فيه بيدي… كأنني لم أَعِشْه.
لم تكن الثروة تعرف طريقها إلى بيتها، لكن الهمة تسكن قلبها منذ تفتّح وعيها على الدنيا.
كانت تستيقظ قبل الشمس، وتغلي إبريق الشاي بينما الدجاجات يفتحن أعينهن على يوم جديد.
تبدأ يومها بتفقّد الحديقة الصغيرة خلف المنزل، هنا مزروعات البصل، وهناك النعناع، وفي الزاوية شتلات الطماطم التي تعتني بها كأطفالها.
لم تكن تحتاج شراء الكثير من الخضار… فكل ما تحتاجه كان ينبت أمام عينيها كل يوم.
كانت تقول لبناتها ضاحكة: الأرض إذا أحبتك، أطعمتك.
بعد ذلك، تجلس على عتبة الباب مع سلة خوص قديمة صنعتها بنفسها، تخيط فيها جوارب لزوجها العامل في الحقل.
لم تكن تشتري جوارب جاهزة، كانت تغزلها من بقايا خيوط تجمعها طوال السنة.
وكان زوجها يقول بفخر:
لا أحد في القرية يملك جوارب دافئة مثل جواربي… لأنها من يدك يا أمينة.
أما في الظهيرة، فتكون قد بدأت إعداد الطعام.
خبز التنور…
مرق الخضار من حديقتها…
وجبن صنعته بنفسها من حليب الماعز.
لم يكن بيتهم فقيرًا كما يراه الغرباء، بل كان غنيًا بالاكتفاء.
كل شيء فيه يحمل بصمة يدها.
وبينما يغفو أطفالها بعد الغداء، تجلس قرب النافذة وتفتح صندوقًا خشبيًا موروثًا عن جدتها.
فيه قطع قماش بألوان مختلفة أحمر كتفاح الخريف، أزرق مثل سماء الصيف، وأخضر كنجيل الفجر.
كانت تخيط منها أغطية صغيرة، حقائب للبنات، ومفارش للمائدة.
لا تشتري أثاثًا جديدًا…
بل تجدد القديم بخياطة غطاء جميل أو إضافة شرائط دانتيل مصنوعة يدويًا.
وفي عصر كل يوم، تجتمع نساء الجيران في فناء بيتها، يتعلمن منها طريقة تخليل الزيتون أو صناعة الصابون الريفي أو حياكة شال شتوي.
كانت أمينة هي القلب النابض للحيّ ،امرأة تمنح خبرتها بفرح وكأنها تمنح قطعة من روحها.
وحين تسألها إحدى النساء:”كيف تجدين الوقت لكل هذا؟
كانت تبتسم وتقول: البركة في النية… وإذا أحببتِ ما تصنعينه، لا يتعبك.
وفي المساء، حين يعود زوجها وأطفالها ويملأ صوتهم البيت دفئًا، تشعر أمينة أن تعب النهار يذوب كقطعة سكر في شاي ساخن.
الجميع يأكل من طعامها، يلبس من صنع يديها، ويعيش في بيت لا يحتاج الكثير من المال… لأنه مليء بالقليل الذي يُصنع بحب.
ذات ليلة، اقتربت ابنتها الصغيرة وقالت:
ماما، عندما أكبر… أريد أن أصبح مثلك.
فمسحت أمينة على شعرها وقالت: لا تكوني مثلي… كوني أفضل.
خذي ما تعلمتِهِ مني، واصنعي به حياة تشبهك.
وحين خمدت الأنوار وبقي صوت الريح الخفيفة يمرّ بين أشجار الليمون، شعرت أمينة بالطمأنينة.
لم تكن تملك ثروة، لكنها منحت عائلتها ما هو أثمن:
بيتًا قائمًا على الاكتفاء، ويدًا تعرف كيف تعطي، وقلبًا زرع الحب في أدق تفاصيل اليوم.
هكذا كانت حياة المرأة الريفية…
يوم طويل، نعم، لكنه مليء بالمعنى، والدفء، والعطاء الذي لا يطلب شيئًا في المقابل .