سوسن والخرز

لم تبدأ سوسن وهي تعرف أنها ستصبح معلمة.


كل ما كانت تعرفه في البداية، أنها تحب التفاصيل الصغيرة… تلك التي لا ينتبه لها أحد، لكنها تصنع الفرق كله.

كانت طفلة تمضي وقتًا طويلًا أمام صندوق قديم في بيت العائلة، صندوق لا يحتوي ذهبًا ولا مجوهرات ثمينة، بل خرزات متفرقة، أزرارًا فقدت معاطفها، أسلاكًا رفيعة، وبقايا سلاسل انقطعت ذات يوم.


كانت سوسن تعيد ترتيب الفوضى، لا لتُصلحها كما كانت، بل لتصنع منها شيئًا جديدًا.

كبرت سوسن، وكبر معها هذا الشغف الهادئ.


لكن الحياة كعادتها  لم تقدّم لها طريقًا مفروشًا بالإجابات.

لم تدخل مدرسة متخصصة، ولم تجد من يقول لها: هذا هو الطريق، وهذه هي الخطوات.”


وجدت نفسها وحدها، ومعها فضول لا يهدأ.

التعلّم الذاتي… خطوة بخطوة

بدأت سوسن من أبسط نقطة: السؤال.


كيف تُصنع الأقراط؟


لماذا ينكسر السلك هنا؟


ما الفرق بين خرز الزجاج والحجر؟


كيف تُغلق القطعة دون أن تجرح اليد؟

كانت تبحث، تشاهد، تجرب، وتخطئ كثيرًا.


تحترق أطراف أصابعها أحيانًا، تتشابك الأسلاك، تنكسر قطع كانت قد قضت ساعات في إعدادها.


لكنها لم تعتبر الخطأ فشلًا، بل معلمًا صامتًا.

تعلمت:

  • اختيار الخامات: متى يكون المعدن صديقًا للبشرة، ومتى يكون مجرد مظهر جميل بلا جودة.
  • تقنيات التشكيل: لفّ السلك، تثبيت الخرز، الموازنة بين الجمال والمتانة.
  • الصبر والدقة: فالحلي لا تقبل العجلة، وكل حركة زائدة تُفسد التناسق.
  • الذوق البصري: كيف تحكي القطعة قصة دون أن تتكلم.

لم تكن المهارة الوحيدة التي تعلمتها هي الصنع، بل الفهم ، أن الحلية ليست مجرد زينة، بل تعبير، وذاكرة، وأحيانًا شجاعة ترتديها امرأة.

من المعرفة إلى المشاركة

كان يمكن لسوسن أن تحتفظ بكل ما تعلمته لنفسها كثيرون يفعلون ذلك.
لكن شيئًا بداخلها كان يرفض فكرة “احتكار المعرفة”.

كانت تتلقى أسئلة من صديقات، من متابعات، من فتيات يقلن نحب ما تصنعين… لكننا لا نعرف من أين نبدأ.

عندها أدركت سوسن أن الرحلة لم تكن لها وحدها.


أن كل ساعة قضتها في التجربة، وكل خطأ تعلمت منه، يمكن أن يختصر الطريق على غيرها.

هكذا وُلدت مدونتها.

التعليم بحب… لا بتعالٍ.

لم تكتب سوسن كخبيرة متعالية، بل كرفيقة طريق.
كانت مقالاتها تبدأ دائمًا من الصفر:

  • الأدوات الأساسية
  • الأخطاء الشائعة
  • الخامات البديلة لمن لا يملك ميزانية
  • نصائح حقيقية لا تُقال في الدورات المدفوعة

وفي فيديوهاتها، كانت يداها تظهران بوضوح ،لا إخفاء للأخطاء، لا حذف للحظات التعثر.

تقول أحيانًا: “توقفت هنا لأنني أخطأت… دعونا نعيدها معًا.”

كانت تؤمن أن:

المعرفة التي لا تُشارك، تذبل.
أما المعرفة التي تُعطى بحب، فتنمو في أكثر من يد وقلب.

حين تعلّم… تتعلّم أكثر

مع الوقت، لم تعد سوسن وحدها التي تُعلّم.
بدأت تتعلّم من طالباتها:

  • من حولت الهواية إلى مصدر دخل
  • من استعادت ثقتها بنفسها عبر قطعة حلي
  • من وجدت في العمل اليدوي علاجًا لصمتٍ طويل

فهمت أن التعليم ليس اتجاهًا واحدًا، بل دائرة إنسانية.
وأن أعظم المهارات ليست في اليد، بل في النية.

الرسالة الإنسانية

رسالة سوسن لم تكن “اصنعي حليًا جميلة فقط”.
بل كانت أعمق من ذلك:

  • أن المعرفة حق، لا امتياز.
  • أن العمل اليدوي ليس أقل قيمة من أي مهنة أخرى.
  • أن المرأة حين تتقن حرفة، تملك خيارًا.
  • وأن الجمال الحقيقي يولد حين يُصنع بصدق.

اليوم، حين تنظر سوسن إلى مدونتها، لا ترى مقالات وفيديوهات فقط.
ترى أيدٍ كثيرة تعمل، وقلوبًا وجدت طريقها، ودوائر نور بدأت من خرزة صغيرة… ولم تتوقف.

لأنها ببساطة، لم تدفن المعرفة.
بل زرعتها.

توصيات مستوحاة من قصة سوسن

لا تنتظري:

  • أدوات مثالية
  • دورة مكلفة
  • شهادة أو اعتراف خارجي

ابدئي بما هو متاح، فالمعرفة الحقيقية تبدأ بالفضول، لا بالكمال.

كل قطعة انكسرت،
كل سلك تشابك،
كل محاولة فشلت…

هي درس غير مكتوب.
من لا يخطئ، لا يتقن.

لا تسألي فقط كيف؟
اسألي:

  • لماذا تنكسر القطعة؟
  • لماذا يزعج هذا المعدن البشرة؟
  • لماذا يبدو هذا التصميم متوازنًا؟

الفهم يحوّل الحرفة من تقليد إلى إبداع.

تختصر الطريق على غيرك

تعود إليك أعمق وأنضج

تصنع مجتمعًا لا منافسة عمياء

كل ما تعلّمته بجهدك، يمكن أن يكون نورًا لغيرك.

التعليم الحقيقي:

  • يعترف بالخطأ
  • لا يُخفي التعثر
  • لا يُشعِر المتعلّم بالنقص

كوني “رفيقة طريق”، لا منصة عالية.

العمل اليدوي ليس:

  • هواية هامشية
  • وقتًا ضائعًا
  • بديلًا اضطراريًا

بل هو:

  • تعبير
  • علاج
  • مصدر كرامة وخيار

حين تتقن المرأة حرفة، تمتلك حرية.

التعليم دائرة، لا خط مستقيم.
طالباتك سيعلّمنك:

معنى الأثر

قوة التحوّل

كيف تصبح المعرفة حياة

حين تعلّمين… ستتعلّمين أكثر.

لا تنتظري نتيجة فورية.
بعض البذور:

  • تنمو ببطء
  • تظهر في أماكن لم تتوقعيها
  • تعود إليك بعد زمن

لكنها لا تضيع أبدًا.

خرزة.
زرّ.
سؤال بسيط.

لا تستهيني بالتفاصيل…
فهي تصنع الفرق كله.

أضف تعليق