قائدة القافلة الصغيرة

في أطراف مدينة الفاشر، كانت زبيدة تجلس على صخرة صغيرة تمسك بيد طفلها بشير، بينما تتناثر خلفها خيام بيضاء مزّقتها الرياح.

 لم تكن تتذكر آخر مرة نامت فيها دون أن تصحو على صوت الرصاص أو صراخٍ من بعيد.


منذ أن اجتاحت المليشيات المدينة، تحولت شوارعها إلى ظلال رمادية، واختفى الجيران واحدًا تلو الآخر.

 مات زوجها في يومٍ من أيام الخوف حين حاول تأمين طريق الماء من البئر إلى الحي، وترك لها ثلاثة أطفال وجدّة عجوز لا تستطيع السير.

لكن زبيدة، تلك المرأة التي كانت تُعرف بابتسامتها في السوق القديم، لم تعرف طريق الانكسار.

جمعت ما تبقّى من قوتها كما تجمع الخياطة بقايا القماش لتصنع منها قطعة جديدة.

في إحدى الليالي، عندما اشتدت الغارات، جمعت زبيدة أولادها في زاوية الغرفة المتهالكة وقالت لهم بهدوء:

“الحرب ما بتأخذ منّا غير اللي نتركه لها… ونحن ما حنترك حياتنا.”

قررت أن تهرب بالعائلة إلى معسكر النازحين في الشمال.

كانت الرحلة قاسية.

 ساروا ثلاثة أيام بين الجبال، يأكلون حبات الدخن القليلة التي خبأتها زبيدة في خرقة من القماش.

كانت تغلي الأعشاب في الماء ليبدو كحساء للأطفال، وتربط أقدامهم بأكياس الطحين حتى لا تحرقهم الرمال الساخنة.

وفي الطريق، انضمت إليهم نساء أخريات، فقدن بيوتهن وأزواجهن.

 صارت زبيدة قائدة القافلة الصغيرة، تواسي الخائفات، وتغني للأطفال أغاني القرية القديمة حتى لا يشعروا بالرعب.

حين وصلت العائلة إلى مخيم النعيمة قرب الفاشر، بدا المكان كعالمٍ جديد: صفوف طويلة من الخيام، ورائحة الطين والمطر، وصرخات الأطفال تختلط بأذان العصر.

لكن زبيدة لم تنظر إلى المكان كمنفى، بل كورشة حياة جديدة.
جمعت النساء، وبدأت تنظّم بينهن عملاً صغيراً: تخيط من أكياس الإغاثة فرشًا للأطفال، وتصنع من عبوات الماء المقطوعة مصابيح صغيرة تُعلّق أمام الخيام.

قالت لهن: نحن ما محتاجين ننتظر المساعدة، نحن المساعدة نفسنا.

سرعان ما انتشرت فكرتها، وصار المخيم يعجّ بالحركة.

أنشأت “زاوية الأمل” — خيمة صغيرة تتعلم فيها النساء التطريز والحياكة باستخدام خيوط ملونة كانت تأتي ضمن تبرعات الأمم المتحدة.

 صارت زبيدة المعلمة الأولى، وبدأت تصنع الحقائب الصغيرة وتبيعها في السوق القريب.

جاء موسم الأمطار بعد شهور، فانهارت بعض الخيام، وجرفت السيول الطعام والملابس.
لكن زبيدة لم تستسلم.

 جمعت الشبان والنساء، وأعادت نصب الخيام على مرتفعات أكثر أماناً.

علمت الأطفال كيف يصنعون سدودًا صغيرة من أكياس الرمل حول الخيام.
وفي المساء، كانت تجلس قرب النار، تقصّ عليهم قصصاً عن دارفور القديمة، عن الحصاد والأفراح والرحمة التي كانت تجمع القلوب.

صار صوتها رمزاً للثبات. كل من يسمعها يقول: “زبيدة نجّت بأولادها… ونحن حنتبع طريقها.”

بعد عام، تحولت خيمة زبيدة إلى مركزٍ صغير للحرف اليدوية.
صارت منتجات النساء تُعرض في السوق المحلي، ثم بدأت تصل صورها إلى مواقع التواصل.

جاءت صحفية أجنبية لتوثّق قصص المخيم، وكتبت عن “النساء اللواتي يخطن الحياة بخيوطٍ من رماد الحرب”.

وبعد أشهر، وصل الدعم من منظمات خيرية لتوسيع المشروع.
زبيدة لم تعد فقط أمًا ناجية، بل أصبحت رمزًا للإصرار السوداني في وجه الجوع والدمار.

كانت تقول لكل من يسألها عن السر: النجاة ما كانت في الهرب… النجاة كانت في أن نعيش رغم كل شيء.

مع مرور الوقت، بدأت العائلات الأخرى تتبع خطى زبيدة.
أنشأوا مشاريع صغيرة من أدوات بسيطة: بعضهم صنع الأفرشة، وآخرون أنشأوا مطبخًا جماعيًا، والبعض بنى فصولاً للأطفال تحت ظلال الأشجار.

لم تعد الفاشر مدينة الخوف فقط، بل صارت شاهدة على صمود النساء اللاتي واجهن الموت بالإبرة والماء والرحمة.

في نهاية النهار، تجلس زبيدة أمام خيمتها، تمسك بخيط أحمر وتخيط ثوبًا جديدًا لابنتها.
تقول وهي تنظر إلى الأفق: “طالما في خيط وإبرة، في أمل.

ومن حولها، النساء والأطفال يرددون:نحن من خيطنا الحياة من جديد.

معاني الكلمات والتعابير

الفاشر مدينة في إقليم دارفور غرب السودان، وكانت عاصمة تاريخية، وتُعد مركزًا سكانيًا مهمًا.

المليشيات جماعات مسلحة غير نظامية، لا تتبع لجيش رسمي، وغالبًا تشارك في النزاعات المسلحة.

خيام بيضاء خيام الإغاثة التي تُستخدم في مخيمات النازحين، غالبًا تُقدَّم من منظمات إنسانية.

انكسار ليس المقصود الكسر الحرفي، بل الهزيمة النفسية وفقدان الأمل.

تدبير القدرة على التخطيط بحكمة واستخدام القليل المتاح لتسيير الحياة.

الدخن نوع من الحبوب يُزرع في السودان وأفريقيا، ويُستخدم كغذاء أساسي في المناطق الريفية.

خرقة قطعة قماش قديمة أو ممزقة تُستخدم للحفظ أو اللف.

قائدة القافلة امرأة تتولى تنظيم المجموعة وإرشادها أثناء الرحلة، رغم عدم وجود منصب رسمي.

المخيم مكان تُنصب فيه خيام لإيواء النازحين أو اللاجئين بعد النزوح من بيوتهم.

منفى مكان يُجبر الإنسان على العيش فيه بعيدًا عن موطنه الأصلي.

أكياس الإغاثة أكياس تُقدَّم من منظمات إنسانية، غالبًا تحتوي على دقيق أو مواد غذائية.

زاوية الأمل اسم رمزي أطلقته زبيدة على الخيمة التعليمية، للدلالة على بداية جديدة.

الحياكة صناعة الأقمشة أو المنتجات باستخدام الخيوط والإبر (كالخياطة أو الكروشيه).

معجزة المطر تعبير مجازي؛ فالمطر هنا اختبار صعب وليس معجزة إيجابية فقط، لأنه سبب دمارًا لكنه كشف قوة الناس.

السيول مياه الأمطار الغزيرة التي تجري بقوة وتُسبب الخراب.

رمز للثبات شخص يُضرب به المثل في الصبر والقوة وعدم الاستسلام.

خيوط من رماد الحرب تعبير بلاغي يعني: صنع الحياة والأمل من بقايا الدمار والمعاناة.

الإصرار السوداني صفة تُشير إلى الصبر، التحمل، والقدرة على النهوض رغم الشدائد.

الإبرة هنا ليست أداة فقط، بل رمز للعمل، والرزق، وإعادة بناء الحياة.

أضف تعليق