
في صباحٍ رمادي من صباحات غزة، خرجت ياسمين ذات الأعوام الثمانية من خيمتها الصغيرة وهي تمسك بعبوتين فارغتين من البلاستيك.
كانت الأرض ما تزال رطبة من مطر الليل، لكن العطش كان قد استيقظ قبل الجميع.
في الأفق بقايا بيوت مهدّمة، وأكوام حجارة تشبه الصمت الذي يسكن المكان.
تتقدّم بخطوات خفيفة، حافية القدمين، تحمل في عينيها ما لا يستطيع الكبار حمله من وجع. تقول لأمّها قبل أن تخرج:
“ما تقلقي، رح أرجع بسرعة، يمكن اليوم ألاقي ميّ نظيفة.”
تهز الأم رأسها بصمت.
لم يعد في صوتها شيء من الرجاء، لكن في نظرة ابنتها الصغيرة يسكن نوع آخر من الإيمان — الإيمان بالماء.
تمرّ ياسمين بين أنقاض الشوارع التي كانت يومًا ساحات لعب.
تتعرّف على الطريق من رائحة الغبار، ومن صوت الريح التي تمرّ بين حطام النوافذ المكسّرة.
كلّ بئر في غزة أصبح سرًّا، وكل نقطة ماء كنزًا لا يُفشى.
في يدها اليمنى عبوة، وفي اليسرى عبوة أخرى أكبر منها حجمًا، كأنها تحمل العالم كله.
تتوقف عند خيمةٍ فيها امرأة عجوز تمدّ يدها بتعب: “يا بنتي، إذا لقيتوا ميّ، جيبيلي شوي، ريقي ناشف.”
تهز ياسمين رأسها وتقول:”أكيد تيتا، رح أرجعلك قبل الغروب.”
تصل إلى طرف الحيّ، حيث يقف صنبور مكسور يتسرّب منه خيط ماء رفيع.
وراءها طابور من الأطفال يحملون زجاجات، صفّ طويل من الصبر.
تحني ظهرها الصغير وتملأ العبوة الأولى، ثم الثانية.
الماء ليس نقيًا، لكنه صافٍ بما يكفي ليحمل الأمل.
عندما تقع قطرة على يدها، تضحك.
ضحكتها تلمع مثل حبة زجاج بين الركام.
تذكّرت أخاها الصغير الذي ينتظرها في الخيمة، وجدتها التي لا تستطيع النهوض.
تغمض عينيها وتقول في سرّها: “يا رب، خلّي المي تكفي للجميع اليوم.”
تعود ببطء، والعبوتان ثقيلتان.
تسير بين الخيام الممزّقة، في طريق صار رمادًا.
تمرّ على مجموعة من الأطفال يلعبون بالتراب، تضع لهم قليلاً من الماء في غطاء العبوة ليغسلوا وجوههم.
تضحك إحداهن وتقول:”ياسمين، إنتِ دايمًا طيّبة!”
تتابع طريقها، تشعر بالريح الساخنة على وجهها.
عندما تصل إلى الخيمة، تضع الماء أمام أمّها كأنها تضع كنزًا.
تملأ كوبًا صغيرًا، وتوزّع القطرات بعدلٍ دقيق: للأم، للجدّة، للأخ، ثم تترك آخر رشفة لنفسها.
تشربها ببطءٍ شديد، وتهمس: “الماء رجع، بس شوي… يمكن بكرة يجي أكثر.”
في غزة اليوم، لا تقاس الطفولة بالألعاب، بل بعدد الأمتار التي تسيرها ياسمين كل صباح بحثًا عن الماء.
هي لا تعرف معنى “الهدنة” ولا تفهم في السياسة، لكنها تعرف أن الماء حياة، وأن على كلّ من يستطيع أن يملأ زجاجة يجب أن يفعل.
ياسمين ليست بطلة في الأخبار، لكنها بطلة في عيون أمها، وفي ذاكرة كل طفل ينام عطشانًا.
وفي الغد، حين تشرق شمس جديدة على الركام، ستنهض من جديد، تحمل عبوتيها، وتخرج لتبحث عن الحياة، نقطةً نقطة.
الأهداف الإنسانية والاجتماعية
- إبراز معاناة المدنيين في غزة وخاصة الأطفال، بطريقة تحفّز التعاطف والفهم بدلًا من الشفقة.
- غرس قيم المشاركة والتكافل من خلال تصرف ياسمين التي لا تحتفظ بالماء لنفسها فقط بل تشاركه مع الآخرين.
- تعليم أهمية الموارد البسيطة مثل الماء، وتقديرها كنعمة لا تُقدّر بثمن.
- تعزيز الإحساس بالمسؤولية الجماعية في الأزمات، حيث يمكن لكل إنسان – مهما كان صغيرًا – أن يكون سببًا في التغيير.
- نشر ثقافة الأمل رغم الصعوبات، وإبراز أن الأمل لا يحتاج إلى ظروف مثالية، بل إلى قلبٍ مؤمن بالحياة.