
في قلب قرية صغيرة على أطراف مدينة صفاقس، يقع مقهى خشبي دافئ اسمه الزيتون.
جدرانه تروي حكايات من الماضي: صور الجدّات وهنّ يحيكن في فناء البيوت، وعلب خيوط صوفية بألوان البحر والقمح.
في مساء شتوي من يناير 2022، قررت أمينة، مدرسة متقاعدة، أن تعيد الحياة إلى هذه الحرفة القديمة.
كانت قد لاحظت أن نساء القرية، بعد يوم طويل من العمل المنزلي، يجلسن في صمت أمام التلفاز.
قالت لنفسها:
“ماذا لو جمعنا الغرز بدلًا من الهموم؟”
بدأت بفكرة بسيطة: أمسية حياكة في المقهى، كل خميس.
أحضرت بعض الخيوط وإبرًا قديمة ورسمت لافتة صغيرة كتبت عليها:
“أمسية الغرز – تعالي نحيك ونحكي.”
البداية الخجولة
في الأسبوع الأول جاءت امرأتان: حياة التي لم تمسك خيطًا منذ زفافها، وليلى التي أرادت تتعلم الغرز لتخيط قبعة لطفلها المريض.
جلسن حول الطاولة الخشبية الصغيرة، وبخجل بدأن أول غرزة.
لم يكن الصوت الوحيد في المكان هو اصطدام الإبر، بل ضحكات خفيفة تتخللها ذكريات الطفولة.
ولادة مجتمع صغير
بعد أسابيع قليلة، أصبح المقهى يمتلئ مساء الخميس.
جاءت الطالبات، والجارات، وحتى الجدّات اللاتي كنّ يملأن المكان بحكايات “الكروشيه أيام زمان”.
لم تعد الأمسية عن الحياكة فقط، بل عن الونس، التبادل، والتشجيع.
كل قطعة كانت تحمل قصة
- قبعة حاكتها أمينة لطفلة يتيمة.
- وشاح صنعته ليلى لبيع أول قطعة في السوق المحلي.
- مفرش طاولة صممته طالبة لتزيين مقهى الزيتون نفسه.
من المهارة إلى التضامن
تحوّل النادي الصغير إلى مبادرة مجتمعية اسمها “غرز الدفء“، تجمع بين التعليم والعمل الخيري.
تعلّم النساء المبتدئات الغرز من المحترفات مجانًا، ويُقدَّم جزء من الإنتاج لمأوى المسنين في القرية.
تقول أمينة بابتسامة:
“كل غرزة صارت رسالة، وكل وشاح صار دفئًا لشخصٍ آخر.”
أثر التجربة على المجموعة
المهارة
النساء اكتسبن الثقة في الحياكة وتصميم المنتجات.
التواصل الاجتماعي
أصبح المقهى فضاءً للضحك والدعم والمساندة.
القيمة الاقتصادية
بعض المشاركات بدأن ببيع منتجاتهن في الأسواق المحلية.
القيمة النفسية
وجدن في الغرز متنفسًا من الوحدة والروتين.
في نهاية كل لقاء، كانت أمينة تردد جملتها التي أصبحت شعار المجموعة:
“الخيط لا يربط الصوف فقط، بل يربط القلوب.”