الجدّة سناء وبيت الحكايات

في الحي الشعبي الصغير، حيث الأرصفة الضيقة تلتقي بقلوب واسعة، عاشت الجدّة سناء في بيت متواضع بابه الخشبي القديم يشبه صفحات كتابٍ عتيق، تعلوه ندوب الزمن، لكنه ما زال يفتح كل يوم على قصص جديدة.


كانت تسكن وحدها منذ أن رحل زوجها قبل سنوات، وتزوج أولادها وانتقلوا الى مدن بعيدة.

 لم يكن رحيل زوجها هو ما كسر قلبها، بل ذلك الفراغ الذي تركته الأيام بعد أن خفّت أصوات الخطوات في البيت، ولم يعد لأكواب الشاي صوت خشخشة على الطاولة.

كانت سناء كل صباح ترتب بيتها كأنها تستقبل ضيوفًا مهمين، تمسح الغبار عن الرف الذي يحمل كتبًا قديمة جمعتها عبر عقود، بعضها ورثته، وبعضها اشترته من باعة الكتب القديمين في الأسواق الشعبية.


تفتح النافذة وتسمح للشمس بالدخول، وتغمض عينيها قليلًا فتتذكر نفسها شابة، تضحك وتتشاجر مع زوجها على اختيار لون الستائر، ولون السجاد ..

ومع مرور الأيام، بدأت تشعر أن الوقت يمر ببطء، وكأن عقارب الساعة تتثاقل معها .

 الوحدة ثقيلة حين لا يشاركك أحد تفاصيلك البسيطة: كوب شاي، صوت إذاعة قديمة، أو حتى تعليق عابر على مسلسل.

وفي أحد الأيام، وبينما كانت تتجول قرب مدرسة الحي لشراء بعض الخبز، لاحظت الأطفال الصغار يجلسون على الرصيف يتبادلون قصصًا قصيرة لا تكاد تكتمل، تخمينات عن أبطال خارقين، وسفن فضاء، وقطط تتكلم.

ابتسمت وقالت في نفسها : قصص بلا بداية ولا نهاية.

في اليوم التالي، عادت تحمل معها فكرة تشبه شعلة صغيرة في قلبها.


علّقت ورقة بسيطة على باب منزلها كتبت فيها بخطٍ مرتجف

بيت الحكايات و قراءة القصص للأطفال الساعة الخامسة مساءً

ظنت أن أحدًا لن يهتم.


لكن في الساعة الخامسة تمامًا، طرق الباب طرقًا خفيفًا، كأن صاحبه يخشى أن يزعج الهدوء.

فتحت الباب، فوجدت فتاة صغيرة ذات عيون واسعة ودفتر رسومات في يدها.


قالت بخجل: هل تقرئين لنا حقًا؟

ابتسمت سناء كأنها تستقبل ربيعًا بعد شتاء طويل: “تعالي يا صغيرتي… القصص لا تحب الانتظار.”

دخل بعدها طفلان، ثم أربعة، ثم عشرة بعد أيام قليلة.
ولم يكن البيت كبيرًا، لكن القلوب حين تتسع لا تحتاج لمساحات.

كانت سناء تبدأ القراءة بصوت دافئ، مليء بالعاطفة، يرفع الحكاية من الورق ويزرعها في الهواء.


كل قصة كانت تملك درسًا صغيرًا تخبئه بين سطورها، لكنها لم تكن تخطب في الأطفال، بل تجعل القصة نفسها تتكلم.

كانت تحكي لهم عن طائر صغير جرب الطيران رغم خوفه ،عن فتاة ساعدت جارتها العجوز، وعن طفل تعلم أن الاعتذار ليس ضعفًا.

ومع كل قصة، كانت تلاحظ أن الأطفال يتغيرون قليلًا.

الصوت المرتفع ينخفض.

اليد المتسرعة تضبط نفسها.

والطفل الذي يجلس دائمًا وحيدًا على طرف السجادة… أصبح يشارك في النقاش.

لكن ما لم يعرفه الأطفال هو أن القصص كانت تشفي الجدّة قبل أن تنصحهم.

كلما فتحت صفحة جديدة، شعرت أنها تفتح نافذة نحو حياة أخرى، حياة مليئة بالوجوه الصغيرة التي تنتظرها بشغف.

مرت الأيام، وصار الأطفال ينادونها:

“الجدة سناء”


ومع الوقت، لم تعد القراءة مجرد ساعة في اليوم، بل تحوّلت إلى طقوس كاملة.

كانت إحدى البنات تساعدها في ترتيب الوسائد.


وأخرى تجلب لها وردًا بريًا من الطريق.


وكان الصبيان يأتون معها دفاترهم ليسجلوا حكمة أو يرسموا نهاية أخرى للقصة.

ذات يوم، بكت فتاة صغيرة بصمت أثناء سرد قصة عن فقدان صديق.

توقفت سناء ومسحت دموعها بإصبعيها الناعمتين.

سألتها:
“هل القصة ذكرتك بأحد؟” أومأت الفتاة.

احتضنتها سناء دون أسئلة، دون وعود.

 فقط حضن صادق.


لم تكن تعرف تفاصيلها، لكنها آمنت دائمًا أن العطف لا يحتاج إلى الكثير من الكلام.

كبرت الفكرة، وبدأ بعض الأهالي في إرسال حلوى بسيطة أو عصير كهدية.

لكن سناء كانت تقول بابتسامتها المعتادة:

“القصص نقرأها بالعقل، لكن نفهمها بالقلب.”

وفي مساء شتوي بارد، انقطعت الكهرباء فجأة.

كان الأطفال يجلسون ينتظرون بداية القصة.

فأحضرت سناء شمعتين، وأشعلتهما.

جلست تروي بصوت خافت، كأنها تحكي سرًا لليل نفسه.

حين انتهت، قالت لهم : “أحيانًا، حين تنطفئ الأنوار  نرى ما لم ننتبه له من قبل.”

ومنذ ذلك اليوم، صاروا يحبون الأمسيات الممطرة، ويعتبرونها أجمل وقت للحكاية.

بعد أشهر، اكتشفت معلمة المدرسة تغيرًا في سلوك طلابها أصبحوا أكثر هدوءا، أكثر طرحًا للأسئلة، أكثر ميلًا لمساعدة بعضهم.

حتى رسوماتهم صارت تحمل خيالًا أوسع ومعاني أعمق.

سألت إحدى التلميذات المعلمة يومًا :“هل يمكن للقصص أن تجعلنا أفضل؟”

ابتسمت المعلمة وقالت: “إذا جاءت من قلب يحب… فهي تستطيع الكثير.”

أما الجدّة سناء، فقد تغيرت حياتها هي الأخرى.

لم تعد الوحدة تخيفها.

لم تعد الأيام متشابهة.

كل وجه صغير صار فصلًا جديدًا في كتاب عمرها.

مرّ عام كامل، وأصبح اسم “بيت الحكايات” معروفًا في الحي.
لم يكن مشروعًا كبيرًا، ولا مبادرة رسمية.


كان مجرد بيت بسيط فيه امرأة طيبة وكتب قديمة وأطفال يملؤون المكان بالضحكات.

في آخر يوم من العام، جاء الأطفال يحملون صندوقًا صغيرًا ملفوفًا بأوراق ملوّنة.

مليئ برسومهم حتى تعلقها كذكرى ، رسوم مضحكة وغريبة بما تخيلوه من القصص التي استمعو لها .

دمعت عيناها لكنها خبأت دموعها خلف ابتسامة وشكرتهم .

في تلك اللحظة أدركت سناء أن العطاء الحقيقي لا يعود إليك كما خرج بل يعود أعظم، ألطف، وأغنى مما تتخيل.

خلاصة القصة

لم يكن بيت الجدّة سناء كبيرًا، لكنه صار وطنًا صغيرًا يتربى فيه معنى الرحمة.


ولم تكن القصص مجرد تسلية للأطفال، بل كانت جسورًا من المحبة والتواضع والعطف.


أحيانًا، كل ما يحتاجه العالم ليصبح مكانًا ألطف…هو صوت دافئ يقرأ قصة، وقلب يقول … أنا هنا، لست وحدك .

أضف تعليق