ندى والزهرة

لم تكن ندى تبحث عن أن تصبح فنانة عظيمة.


لم تكن تحلم بمعارض، ولا بتوقيع على لوحات، ولا حتى بلقب “فنانة”.

كل ما كانت تشعر به…
هو ذلك الفراغ الصغير الذي يظهر عندما تشعرين أن يديك قادرتان على أكثر مما تفعلين.

في طفولتها، كانت الحديقة مجرد خلفية.


أزهار تظهر وتذبل، أعشاب تُقتلع بلا تفكير، ونباتات تؤدي دورها ثم تختفي من الذاكرة.


كبرت، وتعلمت تنسيق الزهور، ثم عملت في مهنة تعتمد على النبات، لكنها لم “تره” حقًا.

كانت قريبة من الجمال…
لكنها لم تكن داخله.

في صباح عادي، جلست أمام طاولة صغيرة قرب النافذة.


لا خطة، لا مشروع، لا هدف مهني.

دفتر أبيض.
قلم.


وزهرة بسيطة، اعتادت رؤيتها دون أن تسأل عنها يومًا.

لكن هذه المرة…
نظرت.

ليس نظرة سريعة.


بل نظرة بطيئة، متأنية، كأنها ترى الزهرة لأول مرة.

لاحظت أن البتلات لا تتطابق.


أن الساق لا يقف مستقيمًا كما في الرسومات الجاهزة.
أن هناك انحناءة خجولة، كأن الزهرة تميل لتسمع شيئًا لا نسمعه نحن.

عندما بدأت ترسم، أدركت شيئًا مفاجئًا: لم تكن “تنسخ” الزهرة… كانت تتعرّف عليها.

في اليوم التالي، عادت إلى الزهرة نفسها.
لكنها لم تكن نفسها.

رأت تفاصيل جديدة.
سألت أسئلة لم تخطر لها من قبل:ما اسمك؟
متى تظهرين؟
لماذا تنمين هنا تحديدًا؟

تذكّرت جملة سمعتها قديمًا من معلمتها:
عندما تعرفين اسم الزهرة، تصبح أقل وحدة.”

ضحكت وقتها.
أما الآن، فقد فهمت.

الاسم ليس معلومة.
الاسم بداية علاقة.

ندى لم تصبح فجأة فنانة محترفة.
لكنها تغيّرت.

  • صارت ترسم نبتة واحدة فقط في كل مرة
  • تتوقف عندما تتعب عينها
  • تعود في اليوم التالي دون شعور بالذنب
  • تقبل الخطأ لأنه جزء من الرؤية

اكتشفت أن:

الفن لا يدرّب اليد فقط… بل يدرّب الانتباه.

حتى في عملها اليومي، تغيّر كل شيء.
الأعشاب لم تعد “أعشابًا”:

  • هذه عنيدة
  • تلك عابرة
  • وأخرى تحمل زهرة صغيرة لا يلاحظها أحد

شعرت بالخجل قليلًا…
لكنها لم تحزن.

لأن الفن علّمها أن الفهم يمكن أن يأتي متأخرًا.
وهذا كافٍ.

رسالة إلى الفنانة المبتدئة

إذا كنتِ في البداية…
إذا شعرتِ أن يدك “ليست جيدة بما يكفي”
أو أن رسمك “غير مكتمل”
أو أنك لا تعرفين من أين تبدئين تذكّري ما تقوله ندى اليوم لكل من تسألها: ابدئي بنبتة تحبينها.
لا مشروع كبير.
لا مقارنة.
نبتة واحدة فقط…
ودعيها تعلّمك كيف تنظرين.

أضف تعليق