منقذ الكتب

في زقاقٍ صغيرٍ بين بنايتين قديمتين، كان يعيش رجل اسمه نادر، لا يعرف عنه الناس الكثير سوى أمر واحد: أنه يحب الكتب أكثر من أي شيء آخر.

لم يكن يملك مكتبة كبيرة فاخرة، بل غرفة ضيقة امتلأت بالجدران من الأرض إلى السقف بكتبٍ من جميع الأحجام والألوان، حتى صار الدخول إليها مغامرة تشبه تسلّق جبلٍ من الورق.

نادر كان يعمل بصمت.

كل مساء، يخرج بعربته الصغيرة ويمر على المدارس والمكتبات والمطابع وأماكن بيع الخردة، يسألهم دائمًا نفس السؤال:
“عندكم كتب ما عاد أحد يريدها؟”

كانوا يتعجبون:
“كتب تالفة؟ قديمة؟ ممزقة؟”
فيبتسم نادر ويجيب:
“الكتب ما تتهالك… هي فقط تنتظر من يسمعها.”

وكان يأخذها معه، الكتب التي حُكم عليها بالنسيان، تلك التي كانت ستُحرق أو تُرمى أو تُنقَل إلى مكبّ النفايات.

لكن الغريب في الأمر لم يكن هذا… بل أن الكتب، عند نادر، كانت حية.

نعم، حية.

في أول ليلة دخلت فيها مجموعة من الكتب إلى غرفته، ساد الصمت للحظات، ثم بدأ همس خافت ينتشر بينها.

قال كتاب قصص أطفال وقد تمزق غلافه: “هل هذه نهايتنا؟ غرفة مظلمة وغبار؟”

رد عليه معجم قديم بصوت ثقيل: “على الأقل لسنا في النار الآن.”

وفجأة انفتح باب الغرفة ودخل نادر يضع الكتب بحنان، كأنما يضع أطفالًا نائمين على أسرّتهم.


قال وهو يبتسم: “مرحبًا بكم في بيتكم الجديد… ممنوع الحزن هنا.”

منذ ذلك اليوم، بدأت الكتب تلاحظ شيئًا غريبًا.
نادر لم يكن فقط يجمعها، بل كان يعيد لها الحياة.

كان يمسح الغبار عنها بفرشاة صغيرة، ويخيط صفحاتها الممزقة بخيط وإبرة، وكأنها جروح تحتاج إلى رعاية.


وكان يجلس كل صباح يقرأ منها بصوت مسموع، فيضحك حينما يجد مزحة، ويتنهّد حينما يقرأ جملة حزينة، ويصفق أحيانًا للصفحات الجميلة.

وذات ليلة، تشجعت رواية رومانسية قديمة وقالت له بصوت خافت: “لماذا تفعل كل هذا؟ نحن مجرد كتب منسية…”

رفع نادر رأسه، وقال وهو يعدل نظارته: وما الإنسان إلا قصة يا صديقتي.

وإذا ضاعت القصص… ضاع الناس .

منذ تلك اللحظة، صار للكتب روح أقوى.
وصارت تمزح معه أيضًا.

كتاب التاريخ كان يقول له: “أنا عمري مئة عام تقريبًا، هل تعتبرني عجوزًا؟”
فيرد نادر وهو يضحك: “لا… أنت شاب ولكن بخبرة عظيمة.

وديوان شعر كان يغار كلما قرأ نادر رواية أخرى، ويقول: “أنا أجمل منهم، أعترف بذلك أو أنهي قصيدتي الأخيرة!”
فيرد نادر: “اهدأ يا شاعر البلاستيك، لك مكان خاص جنب الوسادة.”

وفي يومٍ ممطر، جاءت شاحنة كبيرة محملة بكتبٍ مرمية قرب مكبّ للنفايات.

كانت الكتب ترتجف خوفًا، أوراقها مبتلة، أغلفتها متشققة.

وبينها كتاب صغير مبلل للغاية سأل بصوت ضعيف: “هل سينقذنا أحد؟”

اقترب نادر، حملهم واحدًا واحدًا، وقال لهم بهدوء: “وصلتم… لا أحد يُحرق هنا.”

في تلك الليلة، اجتمعت كل الكتب، القديمة والجديدة، وقررت أن تشكره على طريقته الخاصة.

بدأت الصفحات تهتز وتصدر أصواتًا خفيفة، ليست خوفًا هذه المرة، بل امتنانًا.

وقال كتاب الفلسفة نيابة عنهم: “شكرًا لأنك لم ترَ فينا فقط ورقًا… بل أرواحًا.”

ابتسم نادر، وربت على أغلفة قريبة منه وقال: “وأنتم ذكّرتموني أن العالم ما زال بخير… مادامت فيه كلمة تُقرأ.”

ومنذ ذلك اليوم، صار الزقاق يُعرف باسم: “شارع الرجل الذي أعاد الحياة للكتب”.

أن الأشياء التي يعتبرها الناس منسيّة أو بلا قيمة قد تكون كنوزًا تنتظر من يراها بقلبه، لا بعينيه فقط.

ومن خلال شخصية نادر والكتب الحيّة، تحاول القصة توصيل عدة معانٍ جميلة:

قيمة الرحمة والاهتمام

نادر لم يرَ في الكتب أوراقًا تالفة، بل كائنات تستحق الاحترام والرعاية، وهنا دعوة لأن نكون أرحم بكل ما حولنا، حتى بما يبدو بسيطًا أو مهملًا.

أهمية حفظ المعرفة والذاكرة

الكتب تمثل التاريخ، الخبرة، الأحلام، والقصص الإنسانية. إنقاذها هو إنقاذ للذاكرة الإنسانية وعدم تركها تضيع أو تُحرق.

عدم الاستهانة بما يُرمى أو يُهمّش

كما أن الكتب أنقِذت، فالإنسان نفسه قد يكون مهمَّشًا ويحتاج فقط من يؤمن به ليزهر من جديد.

أن الحياة تسكن في التفاصيل الصغيرة

في غرفة ضيقة، بين كتب ممزقة، صنع نادر عالمًا مليئًا بالدفء والمعنى.

    الخلاصة


    القصة تقول لنا إن الحب الحقيقي هو أن تعطي قيمة لما يتجاهله الآخرون… وإن كل كتاب، مثل كل إنسان، يستحق فرصة ثانية.

    أضف تعليق