
كانت الشمس تميل نحو الغروب، لكن وهجها ما زال ينعكس على جدران مهدّمة، وأسلاك كهرباء متدلية، وركام بيوت كانت يومًا تنبض بالحياة.
في ذلك المشهد الرمادي، تسير سمية بخطوات متعبة، تحمل بيديها حزمة من الأغطية ووسادة صغيرة، وعلى كتفها طفل ملفوف في قماش قديم.
خلفها يسير زوجها أحمد يحمل كيسًا صغيرًا بدا أنه يحتوي على بعض الطعام والدواء، بينما يمسك آدم، ابنهم ذو العشر سنوات، قطعة خشب التقطها من أحد البيوت المنهارة ليصنع منها شيئًا حين يستقرّون في مكانٍ آمن.
إلى يمينهم، كانت ليان الصغيرة تمشي بخطوات سريعة متقطعة، تحمل لوحًا من الخشب وكأنها تخاف أن يسقط منها. كلٌّ منهم يحمل شيئًا، وكأن الأغراض القليلة التي نجت من الحرب صارت رمزًا للحياة ذاتها.
لم يكن الطريق طويلًا، لكنه بدا كدهر.
كل زاوية تمرّ بها سمية تحمل ذكرى: هنا بيت جارتها التي كانت تعجن الخبز كل صباح، وهناك كانت المدرسة التي كان الأطفال يملؤونها ضحكًا.
اليوم لا شيء سوى الغبار، رائحة الحديد، وصدى خطواتهم.
قال أحمد بصوت منخفض:
“اصمدي يا سمية… سنصل إلى المدرسة القديمة، هناك يقال إنهم فتحوا قاعة للنازحين.”
هزّت رأسها، وابتسمت رغم التعب.
“المهم أن نكون سويًا… كل شيء يُعوَّض إلا الإنسان.”
تتوقف سمية للحظة، تلتفت إلى الخلف.
من بين الأنقاض يطلّ جدار نصف مهدّم، عليه ما تبقّى من لوحة كُتب عليها بخطّ طفل: “هنا بيتنا.”
كانت هي من علّقها يوم عيد ميلاد آدم، والآن لم يبقَ منها سوى حرفين.
تسأل نفسها:”هل يمكن أن يعود البيت بعد أن يتحوّل إلى تراب؟”
لكنها تمضي، لأن البقاء في الذاكرة أخطر من الغياب.
في الطريق، توقفت ليان فجأة والتقطت زهرة جافة نبتت بين الحجارة.
“ماما، شوفي… لسه في حياة!”
نظرت إليها سمية بدهشة ثم ابتسمت.
“إيه يا روحي… الحياة ما بتموت، حتى لو اختنقت بالغبار.”
كانت تلك اللحظة الصغيرة كأنها نبض مقاومة.
زهرة في الركام، وطفلة تبتسم وسط الألم.
حين وصلوا إلى المدرسة القديمة، وجدوا عشرات العائلات الأخرى، وجدرانًا بلا نوافذ، لكنها على الأقل لم تسقط بعد. وضعت سمية الأغطية على الأرض، جلست، واحتضنت طفلها النائم.
قال أحمد وهو ينظر إلى السقف المائل:”هنا سنبدأ من جديد.”
ردّت سمية بصوت خافت، لكنه مفعم بالإصرار:”طالما فينا نفس، في حياة. وسنزرعها من جديد، مثل الزهرة اللي لقيتها ليان.”
في غزة، لا تُقاس المعاناة بعدد البيوت المهدّمة فقط، بل بعدد القلوب التي ما زالت تنبض رغم كلّ شيء.
وسمية، التي تمشي بين الركام حاملة بيتها في قلبها، لم تفقد طريقها إلى الأمل.
كل خطوة في الغبار كانت وعدًا بأن الحياة ستعود — حتى في أكثر الطرق وجعًا.