
كان دفتر الملاحظات الصغير ساكنًا في قاع الحقيبة، لا يطلب شيئًا، ولا يشتكي من الإهمال.
ومع ذلك، كان يعرف سرًّا واحدًا لا يعرفه العقل المتعب: الأفكار لا تحب الانتظار طويلًا، ولا تجيد العيش في الزحام.
في كل يوم، كانت تمرّ أفكار كثيرة.
فكرة لمشروع يولد فجأة أثناء السير، جملة جميلة تظهر بلا استئذان، حلّ بسيط لمشكلة معقّدة، أو حلم صغير يلمع ثم يخفت.
كان العقل يحاول أن يحتفظ بها جميعًا، يعدها بالبقاء، لكنه كثيرًا ما يخلف وعده. ومع ازدحام الساعات وتراكم المهام، كانت الأفكار تتسلل بصمت، واحدة تلو الأخرى، وتختفي دون أثر.
ذات مرة، توقفت اليد، وفتحت الدفتر.
كانت الصفحة البيضاء تنتظر بهدوء، لا تحكم على الفكرة، ولا تسأل إن كانت مكتملة. كتبت الفكرة كما هي: ناقصة، مرتبكة، لكنها صادقة. وما إن استقرت الكلمات على الورق، حتى شعر العقل بخفة غريبة، كأن حملاً غير مرئي قد أُزيح عنه.
لم يكن التدوين مجرد كتابة، بل كان ترتيبًا للفوضى الداخلية.
لكل فكرة صفحة، ولكل حلم رقم صغير، ولكل خاطرة عنوان بسيط. هكذا لم تعد الأفكار تتزاحم، بل صارت تعرف مكانها، وتعرف أنها ستُستدعى عندما يحين الوقت.
بعض الصفحات حملت علامات صغيرة، إشارات انتظار.
لم يكن ذلك نسيانًا، بل وعدًا مؤجلًا.
فبعض الأفكار تحتاج أن تنضج على مهل، أن تتنفس، أن ترى العالم من بعيد قبل أن تعود قوية.
والدفتر كان صبورًا، لا يعجّل، ولا يضغط.
مع مرور الأيام، حدث شيء غريب.
كلما امتلأت الصفحات، ازداد تدفق الأفكار.
كأن العقل، حين اطمأن أن لا شيء سيضيع، فتح نوافذه على اتساعها.
صارت الأفكار أكثر جرأة، أكثر حرية، وأكثر صدقًا. لم يعد الخوف من النسيان يقيّدها.
صار الدفتر رفيقًا دائمًا.
في الحقيبة، على الطاولة، وبالقرب من السرير.
لأن الأفكار تحب المفاجأة، وتزور في أوقات لا تتكرر.
فكرة قبل النوم، وأخرى في طابور الانتظار، وثالثة أثناء مشي عابر.
وكل مرة، كانت تجد مكانًا آمنًا تستقر فيه.
في النهاية، لم يعد دفتر الملاحظات مجرد أوراق مجلدة.
صار ذاكرة ثانية، ومساحة رحيمة للأحلام قبل أن تكبر.
مكانًا تبدأ فيه الحكايات صغيرة، ثم تكبر بصمت، صفحة بعد صفحة، حتى تجد يومًا طريقها إلى الحياة.