سابينا ومغسلة الملابس

في الصباحات الأولى، حين يكون الشارع ما زال يتثاءب، كانت سابينا ترفع باب مغسلة الملابس ببطء، كأنها تفتح نافذة على يوم جديد.

لم تكن المغسلة كبيرة، صفّان من الغسالات البيضاء، طاولة خشبية قديمة للطيّ، ونافذة تطلّ على شجرة توت تشقّ الرصيف بجذورها.

لكن سابينا كانت ترى فيها ما هو أكثر من آلات تدور كانت ترى حكايات.

ورثت المغسلة عن خالتها، التي قالت لها ذات يوم:

الملابس يا سابينا تحمل أسرار أصحابها

اغسليها برفق، وسيعودون أنظف من الداخل أيضًا.
ضحكت سابينا حينها، لكنها تذكّرت العبارة كلما رنّ جرس الغسالة معلنًا نهاية دورة.

في اليوم الأول لها كصاحبة المغسلة، دخلت امرأة مسنّة تحمل كيسًا قماشيًا.

جلست على الكرسي القريب من النافذة، وبدأت تحكي دون مقدّمات عن زوجها الراحل، وعن قميصه الأزرق الذي لا تزال رائحته عالقة به.

استمعت سابينا، لم تقاطع.

حين انتهت الدورة، ناولتها القميص مطويًا بعناية، وأضافت وردة صغيرة من حديقة الشجرة.

ابتسمت المرأة، وكأن شيئًا ثقيلاً خفّ.

كانت المغسلة تتحوّل كل يوم إلى مسرح صامت.

 طالبٌ جامعي يغسل سترته للمقابلة الأولى، أمّ شابة تطوي ملابس طفلها بترتيب مدهش، عاملٌ يضحك بصوت عالٍ حين تبتلع الغسالة جوربه.

 وسابينا بقميصها الرمادي كانت الحارس الهادئ لهذه اللحظات.

لم يكن الطريق سهلًا.

تعطّلت إحدى الغسالات في أسبوع ممطر، وتردّد صاحب محل الأدوات في إصلاحها سريعًا.

جلست سابينا تلك الليلة وحدها، تسمع المطر يطرق الزجاج، وتفكّر: هل أخطأت حين اختارت هذا المكان؟

لكنها في الصباح وجدت رسالة صغيرة تحت الباب:


شكراً لأن مغسلتك مكان نشعر فيه بالطمأنينة.

وقّعها : زبون ممتن.

تعلّمت سابينا أن التفاصيل الصغيرة تصنع الفرق

غيّرت المصابيح إلى ضوء دافئ، وضعت رفًّا لكتب مستعملة، وعلّقت لوحة كتبت عليها بخط يدها:
هنا تدور الغسالات… وتستريح القلوب.

ذات مساء، دخل شاب خجول يحمل حقيبة رياضية.

كان قلقًا، ينظر إلى هاتفه كثيرًا.

سألته إن كان يريد شايًا، فهزّ رأسه موافقًا.

جلسا قرب النافذة، وأخبرها أنه سيغادر البلدة غدًا، وأنه يخاف من البداية.

 قالت له سابينا بهدوء: كل دورة لها وقتها.

المهم أن لا تُخرج الملابس قبل أن تنتهي.

ضحك.

 وحين غادر، ترك قبّعته على الطاولة.

 أعادته في اليوم التالي عاد ومعه ابتسامة جديدة.

في الربيع، أزهرت شجرة التوت.

صار الضوء ينسكب على الأرض كحليب دافئ.

 نظّمت سابينا يومًا مفتوحًا لتنظيف مجاني للبطانيات القديمة، وتبرّع بها للمحتاجين.

 امتلأت المغسلة بالضحك، وبخار الماء، ورائحة الصابون.

 أدركت سابينا أن المغسلة لم تعد مشروعًا فحسب صارت قلبًا ينبض.

وفي مساء هادئ، بعد أن أغلقت الباب، جلست وحدها.

وضعت يدها على الغسالة التي عادت للعمل، وشكرتها همسًا.

فكّرت في الخالة، وفي الجملة التي بدت يومًا مبالغة.

الآن صارت حقيقة:  الملابس تعود أنظف، والناس كذلك قليلًا، على الأقل.

قبل أن تطفئ الأنوار، كتبت في دفتر صغير:

ليست الغسالات من تغيّر الأيام… بل المساحة التي نمنحها للانتظار

ثم ابتسمت، وأغلقت المغسلة على وعدٍ جديد مع الغد.

أضف تعليق