حذاء واحد فقط

لم تكن نوال تحلم بأن تصنع أحذية.
لم تكن حتى تحب الأحذية كثيرًا.

كانت تحب الأشياء التي تُمسك باليد القماش، الخيط، الإبرة، الأشياء التي إذا أخطأتِ فيها، تعلمين فورًا… لا تحتاجين إلى تقييم أحد.

في ذلك الصباح، كانت الشمس تدخل من نافذة المطبخ بكسل.
الغبار يرقص في الضوء، وصوت المروحة القديمة يقطع الصمت.
جلست نوال على الكرسي الخشبي، ووضعت قدمها على الأرض، ثم رفعتها فجأة.

البدايات التي لا يلاحظها أحد

كانت نوال في الثامنة والثلاثين.
أم لطفلين، زوجها يعمل أغلب اليوم، وهي… تعمل طوال اليوم دون أن يُسمّى ذلك عملًا.

كانت تخيط.
لا أحد يسميها خياطة، لكنها كانت تصلح، وتعيد الحياة لأشياء ميتة.
فستان طفلة، ستارة قديمة، وسادة تمزق طرفها.

لكنها لم تكن تبيع.
لم تكن مشروعًا.
كانت فقط امرأة تحاول ألا تضيع.

في أحد الأيام، وجدت إعلانًا قديمًا في مجلة مهترئة عند بائعة كتب مستعملة.
إعلان صغير، صورة حذاء بسيط، وكلمات تقول إذا كنت تستطيعين خياطة فستان… يمكنك صنع حذائك.

ضحكت وقتها.
ضحكة قصيرة، ساخرة.
ثم وضعت المجلة في حقيبتها دون أن تعرف لماذا.

لماذا حذاء؟

في الليل، بعد أن نام الجميع، أخرجت المجلة.
قلبت الصفحات ببطء.
لم يكن في الأمر منطق.
لكن شيئًا ما شدّها فكرة أن تصنعي شيئًا يحملكِ.

قالت لنفسها أنا أحمل الجميع… من يحملني؟

في اليوم التالي، لم تذهب لشراء قماش جديد.
فتحت الخزانة.
أخرجت بنطال جينز قديم.
قميص قطني باهت.
قطعة فوم من وسادة مكسورة.

لم تخبر أحدًا.
حتى نفسها لم تخبرها.

الحذاء الأول لا يكون جميلًا

رسمت قدمها على ورقة.
ضحكت مرة أخرى عندما بدا الرسم غريبًا.
قصّت، عدّلت، أضافت سنتيمترًا هنا، ونست هناك.

خيطت القطعة الأولى، ثم الثانية.
فكّت الخياطة ثلاث مرات.
جرحت إصبعها مرة.
تأففت.
كادت أن ترمي كل شيء.

لكنها لم تفعل.

في تلك الليلة، صنعت جزءًا علويًا فقط.
لم يكن مستقيمًا.
لكن كان قويًا.

أمسكته بين يديها، وشعرت بشيء لم تشعر به منذ سنوات التركيز الكامل.

التجميع: لحظة الخوف

عندما جاء وقت تثبيت الجزء العلوي على النعل، توقفت طويلًا.

هذا هو الفارق بين فكرة وشيء حقيقي.
بين ما يمكن إخفاؤه في درج، وما سيقف أمامك.

وضعت الغراء بيد مرتجفة.
ثبّتت القماش.
تركت الحذاء جانبًا.

لم تنم جيدًا تلك الليلة.

صباح الحذاء الواحد

في الصباح، جفّ الغراء.
رفعت الحذاء.
واحد فقط.

لبسته.
وقفت.

لم يكن مريحًا تمامًا.
لم يكن مثاليًا.
لكنه… كان لها.

وقفت في المطبخ، بحذاء واحد فقط،
والقدم الأخرى حافية.

ضحكت.
ضحكة طويلة هذه المرة.
ضحكة خرجت من مكان أعمق.

قالت بصوت مسموع أنا صنعت شيئًا يحملني.

ما الذي تغيّر؟

لم يتغير العالم.
لم يأتِ زبائن.
لم تفتح صفحة على الإنترنت.

لكن نوال تغيّرت.

في اليوم التالي، صنعت الحذاء الثاني.
كان أفضل.

بعد أسبوع، عدّلت القالب.
بعد شهر، صنعت زوجًا لطفلتها.
بعد شهرين، سألتها جارتها من أين اشتريتِ هذا؟ أجابت بهدوء لم تعهده في نفسها صنعتُه.

من حذاء إلى طريق

لم يكن الحذاء مشروعًا.
كان إثباتًا.

إثبات أنها تستطيع البدء بشيء صغير.
أن البداية لا تحتاج إذنًا.
ولا رأس مال.
ولا تصفيقًا.

حذاء واحد فقط.
كفيل بأن يفتح طريقًا.

النهاية التي ليست نهاية

الآن، بعد سنوات، تضع نوال زوج أحذية بسيطًا على الرف.
تحتفظ بالحذاء الأول في صندوق.

ليس لأنه جميل.

بل لأنه يذكرها كل شيء كبير… بدأ بحذاء واحد فقط.

أضف تعليق