
لم تكن ليلى تعرف كيف تطلب ما تريد بلغة البلد الذي تزوره،
ولم تكن المرأة الجالسة خلف نافذة المتجر تعرف كيف تسألها عمّا تشعر به.
لا لغة مشتركة، لا كلمات، ولا حتى أصوات واضحة…
لكن بينهما كان هناك شيء واحد مألوف الخيط.
كانت ليلى في رحلة قصيرة بعيدًا عن وطنها، رحلة هروب أكثر منها سياحة.
فقدت قدرتها على الكلام بعد تجربة قاسية، وصار الصمت رفيقها الدائم.
كانت تسمع، لكن الكلمات لم تعد تخرج منها بسهولة، وحين تحاول، تتعثر كما تتعثر اليد المرتجفة في أول غرزة.
في صباح هادئ، مرّت بجانب متجر صغير للتطريز الشعبي.
لفت نظرها قماش ممدود على إطار خشبي، وخلفه امرأة مسنّة، تنحني قليلًا، تطرّز ببطء، كأنها تحيك الوقت نفسه.
وقفت ليلى تراقب.
لم تقل شيئًا.
لم تطرق الزجاج.
فقط نظرت.
رفعت المرأة رأسها، التقت عيناها بعيني ليلى، ابتسمت… ابتسامة قصيرة، دافئة، غير متسائلة.
ثم أشارت بيدها: “ادخلي”.
في الداخل، لم تحاول أي منهما الكلام.
جلستا متقابلتين، المرأة أخذت خيطًا، مرّرته في الإبرة، رفعت القماش ببطء، ثم بدأت.
غرزة…توقف…نظرة…إعادة.
كانت تُريها، لا تشرح.
تعيد الحركة، لا تصحّح.
وحين تخطئ ليلى، لا تهز رأسها، بل تعيد الغرزة بهدوء، كأن الخطأ جزء طبيعي من التعلم.
بالعين تعلّمت ليلى.
باليد فهمت.
وبالابتسامة شُجّعت.
مرت دقائق، ربما ساعات.
الوقت لم يكن مهمًا.
المهم أن الخيط صار جسرًا بين امرأتين لا تشتركان في لغة، لكن تشتركان في الصبر.
في اليوم التالي، عادت ليلى.
وفي الذي بعده.
كانت المرأة تجهّز لها قطعة صغيرة للتدريب، وتتركها تحاول وحدها، ثم تضع يدها فوق يدها، ليس لتقودها، بل لتطمئنها.
لم يكن التطريز مجرد حرفة.
كان حوارًا صامتًا:
لون يُختار = رأي
غرزة تُعاد = صبر
قطعة تُكتمل = ثقة
مع الأيام، بدأت ليلى تبتسم أكثر.
صار جسدها أقل توترًا.
وصار الصمت أقل قسوة.
حين عادت إلى بلدها، حملت معها قطعة تطريز بسيطة.
ليست متقنة ، وليست مثالية ، لكنها كانت أول شيء صنعته منذ زمن طويل دون خوف.
استخدمت ما تعلّمته لاحقًا مع أشخاص مثلها: من لا يستطيع الكلام من لا يسمع من لا يفهم لغة المكان .
كانت تضع القماش، تُري الغرزة، وتبتسم.
لم تكن تقول: “افعل هكذا”.
بل تقول بعينيها: “جرّب”.
وهنا كانت المفاجأة:
التطريز لا يحتاج إلى صوت.
ولا إلى شرح طويل.
ولا إلى لغة مشتركة.
يحتاج فقط : نظر تكرار أمان وهكذا، صار التطريز لغة عالمية.
لغة لا تُنطق، بل تُرى.
لا تُسمع، بل تُحَسّ.
لغة تقول لكل من ظنّ أنه لا يستطيع التعبير يدك ما زالت قادرة على الكلام.