
لم تكن منال تحب التصوير.
ليس لأنها لا ترى الجمال، بل لأنها تشعر أن الكاميرا تختصره أكثر مما ينبغي.
الصورة تلتقط الشكل، لكنها لا تحتفظ بالوقت، ولا بالملمس، ولا بالتردّد الصغير في يد الإنسان وهو يحاول أن يتعلّم شيئًا جديدًا.
لذلك، حين بدأت السفر، قررت أن توثّق رحلاتها بطريقة أخرى بالغرزة.
هكذا وُلد دفتر رحلات التطريز.
دفتر سميك، غلافه من قماش كتان بسيط، لا يحمل عنوانًا لامعًا.
في صفحاته الأولى، كتبت منال بخط يدها هذا الدفتر لا يوثّق الأماكن كما هي، بل كما لمستني.
الدفتر كخريطة بديلة
في كل مدينة تزورها، لا تبحث منال عن المعالم السياحية أولًا، بل عن الأسواق القديمة، الأقمشة، الأزياء الشعبية، ومفارش البيوت.
تجلس، تراقب، تسأل، ثم تعود مساءً إلى غرفتها لتفتح الدفتر.
في الصفحة اليسرى
اسم المكان
التاريخ
نوع القماش
ألوان الخيوط المستخدمة
عدد الغرز التقريبي
وفي الصفحة اليمنى
عيّنة تطريز صغيرة
ملاحظات شخصية
هذه الغرزة تُشدّ بقوة.
الأحمر هنا مائل للبني.
التكرار أهم من الزخرفة.
هكذا صار الدفتر خريطة، لا تُقرأ بالعين فقط، بل باليد.
التوثيق بوصفه معرفة
منال لا تطرّز لتصنع قطعة مكتملة، بل لتفهم النظام.
كل غرزة في الدفتر هي سؤال لماذا بهذا الطول؟ لماذا بهذا الاتجاه؟ لماذا هذا اللون بالذات؟
في إحدى رحلاتها، لاحظت أن نمطًا بسيطًا يتكرر في أكثر من منطقة، لكن باختلافات طفيفة عدد الغرز، المسافات، وحتى طريقة إنهاء الخيط.
دوّنت ذلك بدقة، وكتبت التشابه لا يعني النسخ. كل يد تترك أثرها حتى في القاعدة الواحدة.
هذا النوع من التوثيق لا يوجد في الكتيبات السياحية.
إنه تاريخ غير مكتوب، ينتقل عادة من أم إلى ابنة، ومن جلسة إلى أخرى.
دفتر منال صار محاولة لإنقاذ هذا التاريخ من النسيان.
الغرز بدل الصور
حين تعود منال من السفر، لا تفتح ألبوم صور.
تفتح الدفتر.
كل صفحة تستدعي ذاكرة كاملة الضوء، الرائحة، صوت المكان، وحتى الشعور بالتردّد في أول غرزة.
تقول دائمًا الصورة تذكّرني بما رأيت، لكن الغرزة تذكّرني بما تعلّمت.
لهذا، لا تهمها الدقة التمثيلية.
لا تحاول نسخ الزخرفة كما هي، بل إعادة ترجمتها.
الغرزة عندها ليست توثيقًا بصريًا فقط، بل توثيق حركي كيف تتحرّك اليد؟ متى تتوقف؟ متى تعيد العدّ؟
الدفتر كأداة تعليمية
مع الوقت، صار دفتر رحلات التطريز مادة تعليمية بحد ذاته. حين تسألها متدرّبة عن لون أو نمط، لا تعطيها صورة، بل تفتح الدفتر وتقول اقرئي الملاحظات أولًا.
لأن منال تؤمن أن تعلّم التطريز لا يبدأ بالإبرة، بل بالملاحظة.
الدفتر يعلّم
- كيف نختار الألوان من البيئة لا من العلبة الجاهزة
- كيف نفهم منطق التكرار
- كيف نحترم البطء
- وكيف ندوّن الخطأ قبل أن نصحّحه
تاريخ صغير… لكن حي
دفتر منال ليس كتاب تاريخ، لكنه يحمل تاريخًا حيًا.
تاريخ الأيدي التي لا تُذكر في الكتب، والغرز التي لا تُنسب لأسماء.
كل صفحة فيه تذكير بأن الحرفة ليست منتجًا، بل ممارسة يومية، وأن السفر لا يعني الانتقال فقط، بل التعلّم.
في آخر الدفتر، تركت منال صفحات فارغة، وكتبت هذه المساحة للغرزة التي لم أتعلمها بعد.
ربما لهذا السبب يستمر الدفتر في السفر، حتى وهو في البيت.
لأنه لا يوثّق ما انتهى، بل ما زال ممكنًا.
دفتر رحلات التطريز
ليس بديلًا عن الصورة فقط، بل بديلًا عن الاستهلاك السريع للثقافة.
هو دعوة للنظر ببطء، ولمدّ اليد قبل رفع الكاميرا، وللاعتراف بأن بعض الذكريات لا تُحفَظ إلا إذا أُنجزت… غرزةً بعد غرزة.