تذكارات عطلات قديمة

كان البيت الريفي يقف عند نهاية الطريق الترابي كأنه ينتظر أحدًا يعرفه منذ زمن.

سقفه القرميدي منخفض، ونوافذه الخشبية لا تُغلق بإحكام، لكن الهواء كان يدخل محمّلًا برائحة القمح والزعتر البري.

قالت أمينة دائمًا إن البيوت تتذكّر، وهذا البيت تحديدًا كان يحفظ الصيف مثل صندوق قديم مليء بالضحك.

في الردهة، علّقت حقائب قماشية باهتة الألوان، كل واحدة تحمل اسم مدينة كُتب بقلم متسرّع العقبة، طرابلس، طنجة

على الجدار المقابل، ساعة حائط توقفت عند الثالثة وربع منذ سنوات، ولم تحاول أمينة إصلاحها.

كانت تقول إن الوقت في هذا البيت لا يحتاج أن يتحرك؛ يكفيه أن يتذكّر.

كل ركن كان يحكي عطلة.

إطار صورة مائل لبحرٍ بعيد، صحن خزفي مشقوق من سوق شعبي، حجر أملس جمعه طفل ذات صيف ووضعه على الرف ككنز.

 لم تكن التذكارات مرتبة بصرامة، بل موزّعة كما تسقط الذكريات فجأة، وبلا اعتذار.

حين تأتي العائلة في بداية كل صيف، يفتحون النوافذ دفعة واحدة. يدخل الضوء، فتستيقظ الأشياء.

تقول أمينة وهي تمسح الغبار عن رف الكتب شايفين ؟

 حتى الغبار هنا حنين.


يضحك الجميع، لكنهم يعرفون أنها تقصد ما تقول.

الحساء ببطء، كأنها تقلب سنوات.

في المساء، يجتمعون في الفناء.

 تُخرج أمينة صندوقًا معدنيًا صغيرًا.

 تفتحه بحذر، فتلمع أزرار، وبطاقات بريدية، وتذاكر قطارات لم تعد تعمل.

يختار كل واحد شيئًا ويحكي.

 لا مقاطعة، لا استعجال.

 البيت يصغي.

 الأشجار تصغي.

حتى الكراسي الخشبية تصغي وهي تئن تحت ثقل الحكايات.

كان هناك يومٌ انقطعت فيه الكهرباء.

جلسوا على ضوء الشموع.

قالت أصغرهم وهي تراقب الظلال على الجدار  البيت كأنه بيتنفس.

ابتسمت أمينة.

شعرت أن البيت يفعل ذلك فعلًا.

أن التذكارات ليست أشياء جامدة، بل مفاتيح تفتح قلوبًا.

في أحد الأركان، خريطة قديمة مثبّتة بدبابيس.

 ليست كاملة.

 أطرافها ممزقة.

 لكن كل دبوس كان وعدًا هنا مشينا، هنا ضللنا الطريق، هنا وجدنا أنفسنا.

 لم تكن الخريطة لتدلّ على الاتجاهات بقدر ما كانت تدلّ على العائلة.

مع مرور السنوات، تغيّر كل شيء خارج البيت.

طرق سريعة، بيوت حديثة، شاشات أكبر.

لكن البيت الريفي بقي كما هو متواضعًا، دافئًا، لا يطلب الكثير.

فقط أن تُفتح نوافذه كل صيف، وأن تُحكى الحكايات بصوتٍ عالٍ.

وفي آخر ليلة قبل الرحيل، تقف أمينة عند الباب، تمرّر يدها على الخشب، وتقول همسًا   إلى الصيف الجاي.
تعرف أن البيت سيبقى.

 وأن التذكارات ستنتظر.

 وأن الحب، حين يُحفظ في الأشياء الصغيرة، لا يصدأ.

أضف تعليق