خيوط على ضوء الشموع

مدينة تحاول النهوض كل صباح

في أحد أحياء مدينة غزّة، كانت اسمهان ذات الستة عشر عامًا تجلس قرب نافذة صغيرة تطلّ على شارع ضيّق.

الكهرباء مقطوعة منذ ساعات طويلة، لكن ضوء الشمس المتسلّل كان يكفي لرؤية كومة القماش الموضوعة أمامها.

تعلم اسمهان الخياطة منذ كانت في العاشرة.

كانت أمها تقول دائمًا الغرز مش بس شغل… الغرز حياة.

لكن في الأشهر الأخيرة، أصبح للخياطة معنى مختلف.

فبعد الأحداث المتكررة التي مرّت بها المدينة، ضاع الكثير من الأشياء… بيوت، ألعاب، ذكريات.

والقلوب أصبحت بحاجة إلى شيء صغير يعيد إليها الدفء.

وفي المقابل، كانت هناك رضيّة ابنة الجيران أكبر منها بسنتين، هادئة وحنونة، لكنها تحمل في قلبها قلقًا كبيرًا بسبب فقدان بيتها القديم ونقل عائلتها إلى شقّة ضيّقة.

كانت تشعر أن العالم أصبح ضيّقًا عليها أكثر من اللازم، حتى تعرفت إلى اسمهان.

فكرة من قطعة قماش

ذات صباح، بينما كانت اسمهان ترتّب قصاصات أقمشة وردية وخضراء وزرقاء، طرقت رضيّة الباب بخجل.

قالت اسمهان… سمعت إنك بتخيطوا لحاف كبير؟

للناس اللي فقدت بيوتها؟

أجابت اسمهان بابتسامة مش لحاف واحد… بدنا نسوي لحاف اسمه لحاف الأمل.

 كل قطعة فيه بتحكي قصة.

جلست رضيّة قربها، ولمست قطعة قماش صغيرة كانت تحمل طبعة حمراء تشبه شريحة بطيخ.

 ضحكت هاي بتذكرني بآخر مرة أكلنا فيها بطيخ على سطح بيتنا القديم… قبل ما ينهدم.

صمتت قليلًا، ثم قالت خليني أساعدك.

ورشة صغيرة تحت ضوء الشموع

تحوّلت غرفة اسمهان إلى ورشة خياطة منزلية.

على الطاولة مقص، شريط قياس، خيوط متعددة الألوان، وبعض التعليمات المطبوعة التي كانت اسمهان قد حمّلتها قبل انقطاع الإنترنت.

كانت الفتاتان تخيطان على ضوء شمعة.

 أحيانًا يمرّ أخو اسمهان الصغير ويقول ليش تتعبوا حالكم؟

شو راح يغيّر اللحاف؟

فتجيبه رضيّة بثقة

الغرزة اللي ما بتغيّر مدينة، بتغيّر قلب… والقلب بغيّر الدنيا.

مشروع الحقائب للأطفال

في أحد الأيام، اقترحت اسمهان إضافة مشروع جديد مع اللحاف

خلينا نعمل شنط صغيرة للأطفال… شنطة بطيخ، شنطة فراولة، شنطة نجمة.

 هدول أطفال فقدوا ألعابهم… لازم نهديهم شي من القلب.

بدأت رضيّة تخيط أول حقيبة.

كانت يداها ترتعشان، ليس بسبب صعوبة العمل، بل لأنها تشعر لأول مرة منذ زمن بأنها قادرة على صناعة شيء جميل ومفيد.

قالت اسمهان لها شايفة؟  ما شاء الله … عندك موهبة.

ابتسمت رضيّة بخجل يمكن… بس ما كنت عارفة.

عندما تتحول الخياطة إلى علاج

مع مرور الأيام، كانت رضيّة تتغيّر.

كانت تضحك أكثر، تتكلم أكثر، وتقترب من الناس بثقة جديدة.

أصبحت الخياطة ليست هواية… بل علاجًا خفيفًا يرمّم ما كسرته الأيام.

لاحظت أم اسمهان التغيير وقالت لابنتها


البنت انفتحت متل الورد… شكلكم مش بس بتخيطوا قماش، بتخيطوا قلوب.

ضحكت اسمهان نحن بنسوي اللي بنقدر عليه…

لحاف الأمل

بعد ثلاثة أسابيع من الجهد، اكتمل اللحاف.

دوائر من الألوان تشبه شروق الشمس.


قطع صغيرة تشبه نوافذ بيوت عادت للوقوف.

خطوط متشابكة كأنها أيدٍ تمسك بأيدٍ.

وقرّرت الفتاتان تقديم اللحاف لعائلة فقدت منزلها بالكامل.

ذهبتا إلى الخيمة الصغيرة، وقدّمتا اللحاف للأم.

 وضعت الأم يدها على القماش وقالت بصوت مخنوق

هذا أول شي نحسه بيت من زمان.

نظر الطفل الصغير إلى الحقيبة التي صنعتها رضيّة

شنطة بطيخ صغيرة ففتح عينيه بدهشة

إلّي؟ عن جد إلّي؟

أومأت رضيّة، وشعرت بقلبها يتنفس لأول مرة منذ شهور.

بداية مشروع أكبر

بعد انتشار الخبر في الحارة، جاءت نساء كثيرات ليتعلمن.

تحولت غرفة اسمهان إلى مركز صغير لإعادة الحياة بتكلفة صفر.

رضيّة بدأت تعلّم البنات الصغيرات كيف يخطن حقائب بسيطة.

اسمهان تدرب النساء على غرز اللحف وترتيب القصاصات.

وبدأت الأمهات يجتمعن كل يومين ، يضحكن، يحكين قصصهن، ويصنعن قطعًا صغيرة تملأ القلوب دفئًا.

خيط لا ينقطع

في إحدى الليالي، كانت الفتاتان تجلسان أمام نافذة مفتوحة.

كان الليل ساكنًا، والمدينة رغم الظلام تبدو قوية، كأنها روح لا تنكسر.

قالت رضيّة بتعرفي يا اسمهان… أنا فقدت كثير، بس الغرز رجعت تعلّمني إيش يعني أبدأ من أول وجديد.

أجابت اسمهان والخيط… حتى لو انقطع، بنربطه ونكمّل.

ضحكتا بهدوء.

وأدركتا أن اللحاف الحقيقي ليس ذاك الذي خيطتاه… بل اللحاف الذي صار يغطي روحيهما.

أضف تعليق