انتظار قطة

كان الصباح يتسلل بخفة إلى الغرفة، خطوط من الضوء الذهبي تتسلل عبر الستارة البيضاء المائلة ، والنسيم يدخل من النافذة المفتوحة نصف فتحة ، يحمل معه أصوات الشارع البعيد.

 جلست القطة على حافة الطاولة ، ظهرها مستقيم وذيلها ملتف حول قدميها الصغيرتين ، تحدق في الخارج بعيون متسعة.

 لم تكن ترى شيئًا محددًا ، لكنها كانت تعرف أنّ صاحبتها غائبة ، وأن العودة قادمة لا محالة.

انتظارها لم يكن وليد اللحظة ، بل كان عادة يومية

 كل صباح ، تراقب صاحبتها وهي ترتدي ثيابها ، تضع عطرها ، وتحمل حقيبتها.

 كانت القطة تتبع خطواتها حتى الباب ، ثم تعود مسرعة إلى النافذة ، لتجلس في مكانها المعتاد ، كأن النافذة صارت شاشة العالم الوحيدة التي تتيح لها أن تبقى قريبة ممن تحب.

الخارج بالنسبة لها كان مزيجًا من الأشياء المتغيرة أطفال يركضون إلى المدرسة ، طيور تهبط على الأسلاك وتنهض بخفة ، سيارات تمر وتترك خلفها ضجيجًا متقطعًا.

 لكنها لم تكن تنشغل بكل ذلك بقدر ما كانت تبحث عن ملامح مألوفة ، عن ظل ، عن حركة صغيرة تدل على أن صاحبتها في الطريق عائدة.

الوقت يمر بطيئًا ، يتثاءب مثل قطة أخرى ، والقلب الصغير تحت الفراء يدق على إيقاع الصبر.

 كانت أحيانًا تميل برأسها ، كأنها تستمع لخطوات غير موجودة ، أو تشم رائحة لا يحملها النسيم.

 كان الانتظار يجعل حواسها أكثر حدة ، وكأن العالم كله اختُزل في لحظة محتملة ، لحظة أن يفتح الباب ويطل الوجه الذي تحبه.

ذاكرتها لا تخونها أبدًا

كل انتظار طويل يذيبها في ذكريات أول لقاء.

تتذكر حين جاءت صاحبتها يومًا إلى السوق ، حيث كانت القطة صغيرة ، متعبة ، تتجول بين الأقدام بلا مأوى.

 لم يكن أحد يلتفت إليها ، لكن تلك اليد الناعمة امتدت ، رفعتها بحنان ، وضمتها إلى صدرها.

 منذ ذلك اليوم ، أصبح للقطة بيت ، وأصبح للقلب مكان يرسو فيه.

النافذة نفسها كانت تحمل ذكريات

على حافتها تعودت القطة أن ترى صاحبتها تجلس تقرأ كتابًا ، أو تضع نبتة صغيرة لتتعرض للشمس.

هناك، على هذا الإطار الخشبي ، تعلّمت القطة معنى الانتظار.

 الانتظار لتذوق الطعام معًا ، الانتظار للعب بخيط صوف ، الانتظار للحظة نوم على حضن دافئ.

حين يطول الغياب ، كانت القطة تحاول أن تلهي نفسها.

تقفز على الصناديق المكدسة ، تنزلق على البطانية الموضوعة على الطاولة ، أو تستلقي قليلًا على السرير الفوضوي.

 لكنها سرعان ما تعود أدراجها إلى النافذة ، كأن خيطًا غير مرئي يشدها إليها.

 فالانتظار ليس فعلًا عابرًا ، بل هو جزء من روحها.

تمر ساعات النهار ، والضوء يتبدل.

 يعلو صوت الباعة في الشارع ، ثم يخفت.

تمر نسوة يحملن أكياس الخبز ، ويجري صغار نحو بيتهم.

 القطة تتابع كل شيء ، لكن عينيها تبقى فارغتين إلا من صورة واحدة.

 صاحبتها وهي تفتح الباب.

في بعض اللحظات ، يدخل القلق.

 ماذا لو تأخرت أكثر؟

ماذا لو لم تعد اليوم؟

 قلب القطة لا يعرف معنى الغياب الطويل ، كل دقيقة تصبح ثقيلة ، كأنها حجر يوضع على قلبها.

 لكنها في الوقت نفسه ، تظل ثابتة ، مؤمنة أن الغياب مهما طال، العودة قادمة.

وحين يبدأ الغروب ، يصبح الانتظار أشد

 الظلال تطول في الغرفة ، والهواء يبرد.

 القطة تزحف أكثر نحو النافذة ، ترفع رأسها،  تحدق بتركيز.

العالم في الخارج يتحول إلى ألوان رمادية ، لكن في داخلها نار صغيرة تشتعل، نار الأمل.

ثم يحدث ما كانت تنتظره

خطوات مألوفة على الدرج ، حركة المفتاح في الباب ، ورائحة عطر تتسلل قبل أن يدخل الجسد.

 في لحظة ، تقفز القطة من مكانها ، تركض مسرعة نحو الباب ، ذيلها يرتفع عالياً ، صوتها يخرج مواءً قصيرًا لكنه مليء بالعاطفة.

 الباب يُفتح ، وتظهر صاحبتها ، بابتسامة متعبة لكنها دافئة.

تدور القطة حول قدميها ، تحتك بهما ، كأنها تريد أن تقول: لقد انتظرتك ، كنت هنا طوال الوقت.

تنحني الفتاة، تلمس رأسها الصغير، تهمس  اشتقت لك. وفي تلك اللحظة ، يتبخر كل قلق ، كل بطء في النهار، كل فراغ خلفته الساعات الطويلة.

الانتظار يتحول إلى فرح ، والنافذة تتحول من شاشة فارغة إلى ذكرى جديدة .

 ذكرى أن الحب الحقيقي يعرف كيف ينتظر

قدر نفسك قبل أن يقدرك الآخرون

في حياتنا اليومية ، كثيرًا ما نبحث عن التقدير من الآخرين : كلمة شكر من مدير ، أو إشادة من صديق ، أو حتى لفتة بسيطة من العائلة .

 لكن الحقيقة الجوهرية هي أن التقدير يبدأ من الداخل

 إذا لم تمنح نفسك القيمة أولًا ، فلن يراك الآخرون كما تستحق.

ما معنى تقدير الذات

أن تعترف بجهودك وإنجازاتك مهما بدت صغيرة.

أن تحترم وقتك وطاقتك ولا تسمح لأحد بالتقليل منها.

أن تقول “لا” عندما يُطلب منك ما يتجاوز حدودك.

أن تعطي نفسك نفس الاحترام الذي تعطيه للآخرين.

لماذا ينتظر البعض التقدير من الخارج فقط

الخوف من الرفض: البعض يظن أن قيمته لا تُثبت إلا إذا وافق عليها الآخرون.

التربية الاجتماعية: في مجتمعاتنا تعلّمنا أن نُسعد غيرنا قبل أنفسنا.

غياب الوعي: كثيرون لا يدركون أن التقدير يبدأ من الداخل.

لكن الحقيقة أن التقدير الخارجي هشّ، قد يُعطى اليوم ويُسحب غدًا، بينما التقدير الذاتي ثابت وراسخ.

خطوات عملية لتقدير نفسك

ضع قيمة لجهدك

لا تقبل العمل مجانًا دائمًا.

 حتى لو تبرعت بمجهودك لاحقًا، اطلب أجرًا أولًا. هذا يعكس احترامك لعملك.

احتفل بإنجازاتك

انتهيت من مشروع؟

أنجزت مهمة صغيرة؟

توقف واشكر نفسك.

تعامل مع نفسك كصديق

هل تكلّم نفسك بلطف كما تفعل مع أحبائك؟

 توقف عن النقد الجارح.

حدد حدودك

لا تسمح للآخرين باستنزاف وقتك وطاقتك.

الرفض أحيانًا علامة تقدير للذات.

استثمر في نفسك

تعلّم مهارة، اقرأ كتابًا، مارس رياضة.

الاستثمار في نفسك هو أوضح شكل للتقدير الذاتي.

أمثلة ملهمة

معلمة خياطة وافقت لسنوات على إعطاء ورش مجانية. لم يقدّرها أحد.

يوم وضعت رسومًا، بدأ الناس يحضرون أكثر احترامًا ويستمعون بانتباه.

كاتب كان ينشر مقالاته مجانًا، وعندما طلب أجرًا لأول مرة، خاف أن يرفضه القراء.

لكنه وجد العكس: ازداد احترامهم له لأنهم شعروا أنه يحترم نفسه.

التقدير الذاتي ينعكس على الآخرين

عندما تحترم نفسك:

يتعلم من حولك كيف يعاملونك.

يراك الآخرون جديرًا بالثقة والمسؤولية.

تزيد قيمتك في أي مجتمع أو بيئة عمل.

الخاتمة

التقدير ليس هدية تنتظرها من الآخرين، بل هو قرار تتخذه أنت أولًا.

عندما تعطي نفسك قيمتها، سيضطر الآخرون إلى أن يروك بعين مختلفة.

وقت سارة

إلى كل شخص ينسى نفسه وسط انشغاله بالآخرين

كانت سارة امرأة مجتهدة ، أمًا لثلاثة أطفال ، وزوجة تحاول أن توازن بين مسؤوليات البيت وحبها لعائلتها .

اعتادت أن تبقى مستيقظة ليلًا ، بعد أن ينام الجميع ، لتجهز كل ما يحتاجونه لليوم التالي : الطعام، الملابس ، وترتيب المنزل .

في الصباح تستيقظ أول من في البيت ، تعد الإفطار ، وتودّع أطفالها للمدرسة وزوجها للعمل .

ومع كل هذا الجهد ، نادرًا ما سمعت كلمة “شكرا” أو لفتة تقدير.

كانت تبتسم في وجههم ، لكنها في أعماقها تشعر بالتعب .

تساءلت مرارًا :  أين مكاني وسط كل هذا العطاء ؟ متى سأجد وقتًا لنفسي؟

ومع مرور الأيام ، بدأت تلاحظ أن جسدها ينهك وروحها تضعف .

في إحدى الليالي ، بعد أن انتهت من غسل الأطباق ، جلست على الكرسي وأخذت نفسًا عميقًا .

التفتت إلى زوجها وأطفالها وقالت بهدوء : “أنا أحبكم كثيرًا، لكني أحتاج أيضًا وقتًا لنفسي .

ساعة واحدة فقط كل يوم … أقرأ فيها كتابًا أو أمارس خياطتي التي أعشقها .

تفاجأ الجميع من كلماتها .

لم يعتادوا أن تسمعهم صوتها بهذه الصراحة .

في البداية ساد صمت قصير ، ثم قال زوجها : أنتِ على حق يا سارة… ونحن مقصرون في حقك.

ومنذ ذلك اليوم ، بدأت سارة تخصص ساعة يوميًا لنفسها .

بعد ذلك الوقت ، أصبحت تغلق باب غرفتها وتجلس مع كتاب أو قطعة قماش وإبرة خياطة .

كانت تلك الساعة بمثابة نافذة للهواء النقي في حياتها .

ومع مرور الوقت ، حدثت مفاجأة جميلة : أطفالها صاروا يساعدونها في الأعمال الصغيرة ، وزوجها بدأ يشاركها في بعض المسؤوليات .

صاروا ينظرون إلى جهدها بعين جديدة ، ويقدّرون كم كانت تضحي.

الأجمل أن سارة نفسها تغيّرت .

لم تعد مرهقة كما كانت ، بل صارت أكثر هدوءًا وصبرًا وابتسامة .

أدركت أن الاعتناء بنفسها ليس أنانية ، بل ضرورة ، وأنها حين تعطي نفسها قيمة ، يتعلم أهلها أن يعطوها القيمة نفسها

الدرس المستفاد

حين اعتنت سارة بنفسها أولًا ، بدأ أهلها يعتنون بها أيضًا.

حين تمنح نفسك وقتًا واهتمامًا، يتعلم من حولك أن يمنحوك التقدير أيضًا.

إليك مجموعة أسئلة ملهمة يمكن أن تساعدك على التفكير في ذاتك وحياتك

1- متى كانت آخر مرة منحت فيها نفسك ساعة خاصة بك فقط ؟

2- هل تعامل نفسك بالحب والاهتمام الذي تمنحه للآخرين ؟

3- ماذا سيحدث لو خصصت وقتًا يوميًا لشيء تحبه ؟

4- هل تنتظر تقدير الآخرين أم تبدأ بتقدير نفسك أولًا ؟

5- ما النشاط البسيط الذي يجعلك تبتسم من الداخل ؟

6- إذا أهملت نفسك ، فكيف سيقدّرك من حولك ؟

7- هل تعرف أن الراحة ليست ترفًا … بل حق لك ؟

8- ماذا ستخسر إن قلت أنا أحتاج وقتًا لنفسي ؟

9- هل فكرت أن سعادتك قد تكون مصدر إلهام لعائلتك؟

10- لو كتبت رسالة لنفسك اليوم ، ماذا تكتب ؟

تقدير العمل

كان محمود شابًا هادئ الطباع يعشق الخشب منذ طفولته .

في ورشته الصغيرة ، كان يقضي ساعات طويلة يقطع الألواح ، ينحت الأشكال ، ويصقلها حتى تتحول إلى تحف جميلة .

 صناديق صغيرة ، إطارات مزخرفة ، ولوحات بلمسة ريفية دافئة .

كل قطعة كانت تحمل شيئًا من روحه ، لكن مع ذلك لم ينظر الناس إليها كما يستحق .

كان محمود معتادًا على أن يهدي أعماله مجانًا .

كل قريب أو جار يزور بيته ، يخرج له بهدية من صنع يديه .

ابتسموا وشكروه ، لكن كثيرًا من القطع انتهت منسية في المخازن .

شيئًا فشيئًا شعر محمود أن جهده يضيع بلا معنى ، وكأن ما يصنعه لا يساوي شيئًا .

ذات يوم ، نصحه أحد أصدقائه بالمشاركة في السوق المحلي للحرف اليدوية .

في البداية تردد ، لكنه قرر التجربة .

جهّز طاولة بسيطة ، رتب عليها أجمل أعماله ، وكتب لكل قطعة سعرًا واضحًا .

 في صباح السوق ، كان قلبه يخفق خوفًا من رد فعل الناس : هل سيضحكون ؟ هل سيقولون إنه يبالغ ؟

لكن ما حدث كان مفاجأة .

 المارة توقفوا بإعجاب ، سألوا عن تفاصيل النقش والخشب ، ولم يترددوا في الشراء.

ابتسامة الرضا ملأت وجه محمود وهو يرى قطعه تُحمل بعناية من يد إلى يد .

حتى أقاربه الذين اعتادوا على أخذ أعماله بلا مقابل قالوا له بدهشة : لم نكن نعلم أن عملك يستحق كل هذا !

عاد محمود إلى ورشته ذلك المساء وقلبه ممتلئ .

لم يكن المال وحده المكسب،  بل شعوره بأنه فنان له قيمة .

لقد أدرك أن تقدير العمل ليس مجرد ثمن يُكتب على ورقة ، بل هو احترام للجهد، للنفس ، وللحرفة نفسها .

الدرس المستفاد

عندما وضع محمود قيمة لعمله ، بدأ الآخرون يرونه كفنان حقيقي .

رسالة لمن لا يقدرون أنفسهم

إلى كل شخص يستهين بجهده ، ويمنح وقته وعطاءه بلا مقابل ، إلى من يعمل ليلًا ونهارًا ولا يسمع كلمة شكر،
إلى من يعتقد أن قيمته تتوقف على رأي الآخرين فيه .

إذا لم تحترم نفسك ، لن يحترمك الآخرون .

إذا لم تضع حدودًا ، سيتجاوزونها .

وإذا لم تعطِ لعملك ثمنًا ، سيظنون أنه بلا قيمة.

أنت جدير بالتقدير ، بمالك وبوقتك وبكرامتك .

ولا تظن أن المطالبة بحقك تقلل من عطائك ، بل على العكس : إنها تزيد احترام الآخرين لك .

ابدأ اليوم بخطوة صغيرة

امنح نفسك ما تستحقه من احترام ، وستتفاجأ كيف سينعكس ذلك على تعامل الناس معك .

قدّر نفسك أولًا … ليقدرك العالم كله.

نجلاء تبدأ إعداد ركن الحياكة في بيتها الصغير

في إحدى أمسيات الشتاء الباردة ، جلست تتأمل بيتها الصغير .

 كانت تحب الحياكة ، لكن الخيوط والإبر دائماً متناثرة هنا وهناك .

ابتسمت في سرها وقالت :  لماذا لا أصنع ركناً خاصاً بي ، يكون عالمي الصغير ، حيث أستطيع أن اركز في عمل غرز الحياكة ؟

بدأت تتجول بعينيها في الغرفة .

لم تكن المساحة كبيرة ، لكنها وجدت زاوية هادئة بجانب نافذة يدخل منها الضوء .

تخيلت نفسها تجلس هناك ، والخيوط بين يديها ، فيما تتسلل أشعة الشمس الدافئة إلى الغرفة .

 قالت بابتسامة هنا سيكون ركني المريح .

أحضرت كرسياً مريحاً من غرفة المعيشة .

 وضعت عليه وسادة صغيرة صنعتها بنفسها ، ثم غطت ظهره بمفرش كروشيه قديم كانت قد أنجزته منذ سنوات .

 أحست أن الكرسي صار مختلفاً ، كأنه صار ينتظرها لتجلس وتبدأ مشروعها .

لم يكن عندها صندوق فاخر ، فاستخدمت سلة خوص كانت تضع فيها الجرائد .

رتبت الخيوط بداخلها حسب الألوان : الأبيض بجانب الأزرق، والأحمر بجوار الأخضر .

بدت السلة كقطعة فنية تضيف حياة للزاوية .

تذكرت كيف كانت تضيع مقصها دائماً .

هذه المرة قررت أن تضعه في مكان ثابت ، علّقته بخيط صغير على طرف السلة .

هكذا لن تضطر للبحث عنه وسط الأغراض بعد الآن .

من بقايا القماش التي كانت عندها ، خيطت وسادة صغيرة وحشَتها بالقطن .

غرست فيها الدبابيس والإبر ،  ثم أضافت غرزة تطريز على الأطراف .

نظرت إليها بفخر وقالت حتى وسادة الدبابيس صارت تحمل بصمتي .

وضعت مصباحاً صغيراً بجانب الكرسي ليضيء الركن ليلاً .

 ثم أضافت نبتة صغيرة في أصيص فخاري قرب النافذة .

أخيراً ، وضعت طاولة صغيرة وضعت عليها كوب شاي ودفتر الملاحظات  .

جلست على كرسيها الجديد ، تناولت إبرة وخيطاً ، وبدأت تحيك أولى الغرز .

شعرت أن كل شيء من حولها يشاركها في هذه اللحظة  ضوء المصباح ، السلة المليئة بالألوان ، وهدوء الزاوية.

قالت في نفسها  : هذا ليس مجرد ركن للحياكة ، إنه ملاذي الشخصي.

منذ ذلك اليوم ، صار ركن الحياكة الملاذ اليومي .

 تقرأ فيه أحياناً ، وتستعيد فيه هدوءها بعد أيام طويلة .

 لم يعد بيتها الصغير ضيقاً كما كانت تظن ، بل صار يتسع لعالم كامل من الغرز والأحلام .

كيف تحوّلين زاوية صغيرة إلى عالم إبداعك ؟

الحياكة ليست مجرد غرز متتالية ، إنها مساحة شخصية ، رحلة هدوء ، وركن يفيض بالدفء مثل كوب شاي في مساء بارد.

لكن لتستمتعي فعلاً ، تحتاجين إلى ركن صغير يخصك، مرتب ومهيأ ليستقبل لحظات الإبداع .

هنا سأرشدك خطوة بخطوة لتصميم ركن الحياكة المنزلي، حتى لو لم يكن لديك سوى زاوية صغيرة في غرفة المعيشة .

  ابحثي عن ركن بعيد عن الضجيج، ويفضل بجانب نافذة يدخل منها الضوء الطبيعي.

الضوء الجيد يقلل من إجهاد العين أثناء الحياكة.

 لا تحتاجين غرفة كاملة.

 كرسي مريح وطاولة صغيرة قد يفيان بالغرض.

 المهم أن تشعري أنه مكانك الخاص.

 اختاري كرسي بظهر مريح، لأن جلسات الحياكة قد تمتد لساعات.

 ضعي وسادة صغيرة خلف ظهرك أو على المقعد لتخفيف الضغط.

 يمكنك تغطية الكرسي بمفرش من صنعك، ليصبح رمزاً لهوايتك.

 سلة من الخوص أو صندوق خشبي أو حتى حقيبة قماشية كبيرة.

المهم أن تكون مفتوحة وسهلة الوصول.

 رتبي الخيوط حسب الألوان أو السماكة.

يمكنك استخدام أكياس شفافة صغيرة للفصل بين المشاريع.

الخيوط الملونة بحد ذاتها ديكور، فاجعلي السلة في متناول العين لتضفي حيوية على المكان.

 يجب أن يكون حاداً ودقيقاً ، لا تستخدمي مقص المطبخ أو الورق .

ضعيه دائماً في جيب جانبي للسلة أو علّقيه بخيط صغير حتى لا يضيع .

إذا كان لديك أطفال ، اختاري مقصاً بغطاء بلاستيكي للحماية .

 وسادة صغيرة محشوة تحفظ لك الإبر والدبابيس في مكان آمن وسهل الوصول .

يمكنك خياطتها بنفسك من بقايا القماش وحشوها بالقطن أو بقايا الأقمشة .

 أضيفي لمسات تطريز أو خرز ليصبح شكلها جزءاً من ديكور الركن .

مصباح أرضي أو مكتبي يعطيك ضوءاً دافئاً في الليل .

ضعي عليها كوب الشاي أو كتاب الأنماط .

 لحفظ بقايا الخيوط، الأزرار، أو أي ملحقات .

نبتة صغيرة قرب الركن تضفي حياة وهدوءاً .

حددي مكاناً هادئاً بجانب نافذة أو مصباح .

ضعي كرسيك المريح وجهّزيه بوسادة دعم .

أحضري سلة جميلة ورتبي فيها خيوطك .

أضيفي مقصاً مخصصاً ووسادة دبابيس .

زيني الركن بما يعكس شخصيتك

نبتة ، صورة ، أو مفرش من صنعك .

اجعلي هذا الركن ملاذك الشخصي ، لا مجرد مساحة للعمل .

اجلسي فيه حتى لو لم تحيكي ، لتقرئي أو تسترخي .

 مع الوقت ، سيصبح ركن الحياكة مرادفاً للراحة والهدوء في يومك .

حلويات سمر

 هكذا أدركت سمر أن الموضة ليست للتجمّل فقط ، بل لتذكيرنا بمن كنّا ، ومن نريد أن نكون.

في عالم يمضي بسرعة ، كانت الألوان السكرية بمثابة استراحة قصيرة في محل حلويات صغير ، مليء بالسكّر .

هل ترى أن الموضة مجرد شكل خارجي ، أم أنها تعبير عن هوية داخلية؟

متى آخر مرة شعرت فيها أن الحياة “بسيطة وحلوة” مثل قطعة سكاكر؟

كيف تحب أن يتذكرك الناس من خلال أسلوبك أو حضورك؟

من المطبخ … بدأت الحكاية

أنا هيفاء


ما جلست يومًا على طاولة اجتماعات ، ولا فتحت دفاتر خطط قبل البداية.

أنا بدأت من رائحة.

رائحة خبز كانت تخرج من فرن جدتي ، رائحة بهارات كانت أمي تطحنها قبل المناسبات ، رائحة الرز وهو ينضج في قدر كبير لأحد جيراننا .

كنت صغيرة ، لكن أنفي كان يحفظ أكثر من ذاكرتي .
كنت أحس أن المطبخ مو مجرد مكان للطبخ…هو مسرح ،  ولمّة ، وطمأنينة .

كيف بدأت؟

في البداية ، كنت أطبخ من باب المحبة ، لا من باب المشروع .
كنت أجمع المكونات وأرتبها في أكياس صغيرة ، وأرسلها لجارتي اللي ما تعرف كيف تبدأ.


كنت أكتب بطاقة وصف بخطي المتواضع ، وأصوّر الطبق بعد ما يبرد…


أرسلت لجارتي الثانية ، ثم أختي ، ثم صديقتي .
وصار السؤال يتكرر:   هيفاء ليه ما تبيعين؟

أنا ؟ أبيع ؟
كنت أخاف .
كنت أقول لنفسي أنا أطبخ من قلبي ، ما أعرف أحسب التكاليف .
لكن قلت : أجرب .

وبدأت أقدم بكجات فيها كل ما تحتاجه كل طبخة ، من دون تعقيد، ومن دون أسرار.

لماذا اخترت هذا الطريق؟

اخترته لأنه الأقرب لي.
مو بس لأني أحب الطبخ…
بل لأني أحب الذاكرة اللي فيه .

كنت أقول لنفس : لو اندثرت وصفة جدتي ، من بيحييها ؟
لو بنت صغيرة ما عاشت مع أم تطبخ ، من بيعلمها تسوي مرقوق ؟

أنا أبغى أكون هذا الجسر.
أبغى أكون اليد اللي تمسك يد بنت في أول طبخة .
وأحب أشارك   

أنا بطبعي كريمة :
في مشاعري ، في وصفي ، في عطائي.
حتى لما بدأت أقدّم دروسًا رقمية ، ما كنت أخبّي شيء.
كنت أشرح أدق التفاصيل ، لأني مؤمنة أن: المعرفة إذا ما نثرتها… تنشف.”

ولأن البداية كانت من طيبة ، ظل الطريق طيبًا.
جاءتني فرصة أشارك في معرض ، وسويت طاولة صغيرة،
عليها نماذج أطباق وبطاقات وصف.

الناس ذاقوا… والدموع سبقت بعضهم.
قالوا: رجعتِينا لبيوتنا القديمة.”

وصارت الصحف تكتب ، وسألوني: ليش سويتي كل هذا؟
قلت  : عشان ما أنسى… وما نخلي غيرنا ينسى.”

هذه حكايتي .
بدأت من مطبخ صغير…
لكن فيها كل العالم ، لأن فيها قلب .

نصائح من هيفاء

ابدأ من قلبك، لا من خطة معقّدة

الشغف الصادق هو أقوى رأس مال.

إذا كنت تحب ما تصنع، سيصل هذا الحب للناس دون إعلان.

لا تقلّل من قيمة الأشياء الصغيرة

كيس مكونات بسيط، أو وصفة مكتوبة بخط اليد… قد تكون بذرة مشروع كبير.

جرب قبل أن تحكم على نفسك

قد تظن أنك لا تصلح للبيع أو الحساب أو التوسّع، لكن التجربة هي التي تكشف قدراتك الحقيقية.

شارك معرفتك ولا تخف من “سرقتها”

ما تعطيه يرجع لك مضاعفًا.

الناس يتعلّقون بمن يعطيهم من قلبه.

اسرد القصة خلف الطبق

لا تبيع وصفة فقط، بل شارك الذكرى التي وراءها، نكهة طفولتك، أو طقوس أمك أو جدتك… هذا ما يربط الزبون بك.

كن كريمًا في وصفك وتفاصيلك

لا تختصر ولا تحتفظ بـ “أسرار النجاح” لنفسك. كلما شاركت، زاد تقدير الناس لك.

الحنين أصل قوة

استدعِ الذكريات، الروائح، الأحاديث، لأنها تصنع رابطًا عاطفيًا لا يُنسى.

لا تستحِ من البدايات المتواضعة


المطبخ الصغير، الأدوات البسيطة، الصور غير الاحترافية… كلها لا تمنعك من النجاح.

اجعل مشروعك امتدادًا لقيمك


الطيبة والنية الصافية تُحس، وتنعكس على كل تفصيلة في عملك.

تذكّر دائمًا لماذا بدأت

حين تتعب، أو تشكك، ارجع إلى لحظة البداية… إلى أول وصفة، وأول تعليق، وأول لمعة فرح.