الشعوب الأصلية وعودة الهوية: نسج ساليش

قصة مستوحاة من نساء موسكويام
كانت “ليانا” تسير ببطء بين بيوت القرية، أصوات السيارات من المدينة المجاورة لا تزال تتسلل إلى أذنيها، لكن قلبها كان في مكان آخر… في قطعة قماش منسية.
مرت تسعون عامًا منذ أن تسللت الخيوط الأجنبية إلى أيدي أهلها، منذ أن اعتقد الغرباء أن ما هو آليٌّ أجمل، وأسرع، وأكثر نفعًا. توقفت الجدّات عن النسج، وتراكم الغبار على الأنوال القديمة.
اختفت البطانيات المحلية، تمامًا كما اختفت القصص التي كانت تُحاك مع كل غرزة.
لكن ليانا، بحنين لا تعرف له اسمًا، جلست ذات مساء أمام أنول مكسور في مخزن جدتها.
لم يكن هناك دليل، ولا كتاب، ولا خريطة.
فقط حكايات متناثرة من جدّتها الراحلة، ورغبة عارمة في أن تشعر بالانتماء من جديد.
بدأت بشيء بسيط. خيط سميك.
نسيج ثقيل.

غرزة تلو الأخرى، بخوف في البداية، ثم بثقة… ثم بحب.

جاءت قريباتها يشاهدنها. واحدة منهن قالت بخفة:

“أظنها مجرد موضة قديمة.”

لكن الأخرى همست بإعجاب:

“إنها تحيك الذاكرة.”
ومع مرور الشهور، انضمت إليهن نساء أخريات.
تحوّل بيت ليانا إلى ورشة دافئة.
كانت الأحاديث تدور عن الألوان الطبيعية، عن نباتات الجبال التي تصبغ الخيوط، عن أغانٍ كانت الجدات ينشدنها وهن ينْسجن.
لم تكن تلك مجرد بطانيات.
كانت قصائد مصنوعة من خيوط.

كانت عودة إلى النفس.

واليوم، وبين أنامل هؤلاء النساء، وُلدت تقاليد جديدة بلباسٍ قديم.

أنوال تقف بثبات. خيوط تلتفّ بحكمة.

ونساء لا ينسجن القماش فقط… بل ينسجن هوية أمة.

ورغم أنهن لا يعرفن بعد إن كانت بناتهن سيواصلن هذا الطريق، إلا أنهن واثقات أن البذرة زُرعت.

وأن الخيط الأول عاد إلى مكانه الصحيح.

موسكويام

مجتمع موسكويام (Musqueam) هو أحد الشعوب الأصلية في كندا، وتحديدًا في منطقة فانكوفر، كولومبيا البريطانية. وهم جزء من ما يُعرف باسم “الشعوب الأولى” (First Nations)، وهم السكان الأصليون الذين عاشوا في هذه الأراضي منذ آلاف السنين قبل وصول الأوروبيين.

إليك نبذة مختصرة ومرتبة عنهم:

من هم شعب موسكويام؟


• الاسم الكامل: Musqueam Indian Band
• اللغة التقليدية: الهلكوميلم (Hul’q’umi’num’)، إحدى لغات ساحل الشمال الغربي.
• الموقع: يعيشون في جنوب غرب كندا، وتحديدًا على ضفاف نهر فريزر في فانكوفر.
• اسم “موسكويام” مشتق من اسم نبتة تنمو على طول ضفاف النهر، وكان يُقال إن مكانهم هو “حيث تنمو المسكويام”.

ثقافتهم

• يشتهرون بثقافة غنية تشمل القصص الشفوية، وصيد السمك (خصوصًا السلمون)، والنحت، والنسيج، والفنون التقليدية.
• يستخدمون الأنوال العمودية في حياكة بطانيات تعرف باسم ساليش، وهي من أبرز رموز فنونهم.
• يعتمدون بشكل كبير على نهر فريزر كمصدر للحياة والغذاء والقصص.

تاريخهم


• عانوا مثل الكثير من الشعوب الأصلية من التأثير الاستعماري، بما في ذلك فقدان الأراضي، ومحاولات محو الثقافة واللغة، وفرض المدارس الداخلية التي فصلت الأطفال عن عائلاتهم.
• رغم ذلك، تمكّنوا من الحفاظ على العديد من تقاليدهم، ويسعون اليوم إلى إحياء لغتهم ومهاراتهم التقليدية.

لماذا هم مهمون في قصة النسج؟

قصة “عودة نساء موسكويام إلى النسج” هي مثال حي على كيفية استرجاع الهوية، حيث استعادت النساء في هذا المجتمع فنون النسج التقليدي بعد عقود من الإهمال، مما جعلهن رمزًا للنهضة الثقافية لدى الشعوب الأصلية.

ساليش

كلمة ساليش (Salish) تشير إلى مجموعة كبيرة من الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية، وخاصة في مناطق الساحل الشمالي الغربي من كندا والولايات المتحدة، مثل كولومبيا البريطانية (في كندا) وولايات واشنطن، أيداهو، ومونتانا (في الولايات المتحدة).

معنى “ساليش”:


• ساليش ليست اسم شعب واحد، بل اسم عام يُستخدم للإشارة إلى مجموعة من الشعوب المتقاربة لغويًا وثقافيًا.
• أحيانًا يُطلق عليهم اسم “شعوب ساليشية” (Salish Peoples).
• لغاتهم تُعرف بـ اللغات الساليشية (Salishan Languages)، وهي مجموعة لغوية تضم العديد من اللهجات واللغات الأصلية.

لماذا نسمع عن “بطانيات ساليش”؟


• “بطانيات ساليش” هو مصطلح يُطلق على نوع من البطانيات التقليدية المنسوجة من قبل شعوب الساليش، خصوصًا نساء السواحل مثل موسكويام.
• تشتهر هذه البطانيات باستخدام الأنوال العمودية وتقنيات النسج اليدوي المعقدة مثل الجدل، الالتواء، والنسيج البسيط.
• كانت هذه البطانيات تُستخدم في الطقوس، وتُمنح كهدايا في المناسبات، وتحمل قيمة ثقافية وروحية عالية.


مقابلة مع ليانا – المرأة التي أعادت الحياة إلى نول جدتها

المحررة شكرًا لكِ ليانا على استضافتنا ، نود أن نبدأ بسؤال بسيط . ما الذي دفعك للعودة إلى النسج بعد كل هذه السنوات؟

ليانا كان الأمر أشبه بنداء خفي. كنت في المخزن أبحث عن شيء، فوجدت نول جدتي مغطى بالغبار.
عندما لمسته، شعرت وكأنني أضع يدي في يدها من جديد.
شيء بداخلي قال لي: “ابدئي من هنا.”

المحررة هل كانت لديك أي معرفة مسبقة بفن النسج؟ أو شخص علّمك كيف تبدأين؟

ليانا أبدًا. لم أتعلم من أحد. كل ما كان لدي هو بعض القصص التي سمعتها من جدتي عندما كنت صغيرة.
بدأت بغرزة واحدة، ثم عقدة، ثم التواء بسيط.
لم يكن هناك دليل سوى الذاكرة.

المحررة هل شعرتِ بالرهبة في البداية؟

ليانا طبعًا. كنت أخاف من الفشل، ومن أن أُهزأ. لكن مع أول قطعة نسج شعرت بشيء عميق. لم تكن مجرد خيوط.
كانت صلة بيني وبين من سبقونا. كنت أحكي قصتهم… بطريقة صامتة لكنها مؤثرة.

المحررة كيف كانت استجابة المجتمع؟ هل انضمت إليكِ نساء أخريات منذ بدايتك؟

ليانا في البداية، كنّ يأتين بدافع الفضول. إحداهن قالت: “لن تنجحي، هذا من الماضي.” لكن مع الوقت، بدأ بعضهن بالتجربة. اليوم، لدينا مجموعة صغيرة تلتقي أسبوعيًا.نحكي، ونحوك، ونضحك، ونصبغ الخيوط من النباتات المحلية كما كانت تفعل جداتنا.

المحررة ماذا يعني لكِ النسج اليوم؟

ليانا النسج ليس مجرد حرفة. هو وسيلتي لأتذكر، ولأعلّم، ولأشعر أنني أنتمي. هو طريقتي في مقاومة النسيان.

المحررة وهل تتمنين أن تواصل بناتكم هذا الطريق؟

ليانا أتمنى. لكن لا أفرضه.كل ما أفعله هو أن أترك لهن شيئًا حيًا.إذا اخترن أن يمسكن بالخيط، فسيجدنه.
وإن لم يفعلن، فسيكون قد عُرض عليهن بكرامة.

المحررة كلمة أخيرة تودين قولها؟

ليانا لا شيء يعود حقًا من الماضي… إلا إذا ناديناه من القلب.
وأنا ناديت النسج… فأجابني.

مصادر موثوقة

  1. Musqueam Indian Band official website
    https://www.musqueam.bc.ca
    (يوفر معلومات تاريخية، ثقافية، ومشاريع حماية التراث)
  2. c̓əsnaʔəm: The City Before the City – معرض تعاوني
    أقيم بالتعاون بين متحف فانكوفر، ومتحف الأنثروبولوجيا بجامعة كولومبيا البريطانية، وشعب موسكويام، وركّز على التاريخ القديم لشعب موسكويام والمقاومة الثقافية الحديثة.
  3. متحف الأنثروبولوجيا – جامعة كولومبيا البريطانية
    https://moa.ubc.ca
    (يحتوي على معارض دائمة وقصص تفاعلية عن شعوب الساليش والموسكويام)

https://www.musqueam.bc.ca/our-story/our-territory/

https://www.musqueam.bc.ca/departments/community-services/