الجدّة سناء وبيت الحكايات

في الحي الشعبي الصغير، حيث الأرصفة الضيقة تلتقي بقلوب واسعة، عاشت الجدّة سناء في بيت متواضع بابه الخشبي القديم يشبه صفحات كتابٍ عتيق، تعلوه ندوب الزمن، لكنه ما زال يفتح كل يوم على قصص جديدة.


كانت تسكن وحدها منذ أن رحل زوجها قبل سنوات، وتزوج أولادها وانتقلوا الى مدن بعيدة.

 لم يكن رحيل زوجها هو ما كسر قلبها، بل ذلك الفراغ الذي تركته الأيام بعد أن خفّت أصوات الخطوات في البيت، ولم يعد لأكواب الشاي صوت خشخشة على الطاولة.

كانت سناء كل صباح ترتب بيتها كأنها تستقبل ضيوفًا مهمين، تمسح الغبار عن الرف الذي يحمل كتبًا قديمة جمعتها عبر عقود، بعضها ورثته، وبعضها اشترته من باعة الكتب القديمين في الأسواق الشعبية.


تفتح النافذة وتسمح للشمس بالدخول، وتغمض عينيها قليلًا فتتذكر نفسها شابة، تضحك وتتشاجر مع زوجها على اختيار لون الستائر، ولون السجاد ..

ومع مرور الأيام، بدأت تشعر أن الوقت يمر ببطء، وكأن عقارب الساعة تتثاقل معها .

 الوحدة ثقيلة حين لا يشاركك أحد تفاصيلك البسيطة: كوب شاي، صوت إذاعة قديمة، أو حتى تعليق عابر على مسلسل.

وفي أحد الأيام، وبينما كانت تتجول قرب مدرسة الحي لشراء بعض الخبز، لاحظت الأطفال الصغار يجلسون على الرصيف يتبادلون قصصًا قصيرة لا تكاد تكتمل، تخمينات عن أبطال خارقين، وسفن فضاء، وقطط تتكلم.

ابتسمت وقالت في نفسها : قصص بلا بداية ولا نهاية.

في اليوم التالي، عادت تحمل معها فكرة تشبه شعلة صغيرة في قلبها.


علّقت ورقة بسيطة على باب منزلها كتبت فيها بخطٍ مرتجف

بيت الحكايات و قراءة القصص للأطفال الساعة الخامسة مساءً

ظنت أن أحدًا لن يهتم.


لكن في الساعة الخامسة تمامًا، طرق الباب طرقًا خفيفًا، كأن صاحبه يخشى أن يزعج الهدوء.

فتحت الباب، فوجدت فتاة صغيرة ذات عيون واسعة ودفتر رسومات في يدها.


قالت بخجل: هل تقرئين لنا حقًا؟

ابتسمت سناء كأنها تستقبل ربيعًا بعد شتاء طويل: “تعالي يا صغيرتي… القصص لا تحب الانتظار.”

دخل بعدها طفلان، ثم أربعة، ثم عشرة بعد أيام قليلة.
ولم يكن البيت كبيرًا، لكن القلوب حين تتسع لا تحتاج لمساحات.

كانت سناء تبدأ القراءة بصوت دافئ، مليء بالعاطفة، يرفع الحكاية من الورق ويزرعها في الهواء.


كل قصة كانت تملك درسًا صغيرًا تخبئه بين سطورها، لكنها لم تكن تخطب في الأطفال، بل تجعل القصة نفسها تتكلم.

كانت تحكي لهم عن طائر صغير جرب الطيران رغم خوفه ،عن فتاة ساعدت جارتها العجوز، وعن طفل تعلم أن الاعتذار ليس ضعفًا.

ومع كل قصة، كانت تلاحظ أن الأطفال يتغيرون قليلًا.

الصوت المرتفع ينخفض.

اليد المتسرعة تضبط نفسها.

والطفل الذي يجلس دائمًا وحيدًا على طرف السجادة… أصبح يشارك في النقاش.

لكن ما لم يعرفه الأطفال هو أن القصص كانت تشفي الجدّة قبل أن تنصحهم.

كلما فتحت صفحة جديدة، شعرت أنها تفتح نافذة نحو حياة أخرى، حياة مليئة بالوجوه الصغيرة التي تنتظرها بشغف.

مرت الأيام، وصار الأطفال ينادونها:

“الجدة سناء”


ومع الوقت، لم تعد القراءة مجرد ساعة في اليوم، بل تحوّلت إلى طقوس كاملة.

كانت إحدى البنات تساعدها في ترتيب الوسائد.


وأخرى تجلب لها وردًا بريًا من الطريق.


وكان الصبيان يأتون معها دفاترهم ليسجلوا حكمة أو يرسموا نهاية أخرى للقصة.

ذات يوم، بكت فتاة صغيرة بصمت أثناء سرد قصة عن فقدان صديق.

توقفت سناء ومسحت دموعها بإصبعيها الناعمتين.

سألتها:
“هل القصة ذكرتك بأحد؟” أومأت الفتاة.

احتضنتها سناء دون أسئلة، دون وعود.

 فقط حضن صادق.


لم تكن تعرف تفاصيلها، لكنها آمنت دائمًا أن العطف لا يحتاج إلى الكثير من الكلام.

كبرت الفكرة، وبدأ بعض الأهالي في إرسال حلوى بسيطة أو عصير كهدية.

لكن سناء كانت تقول بابتسامتها المعتادة:

“القصص نقرأها بالعقل، لكن نفهمها بالقلب.”

وفي مساء شتوي بارد، انقطعت الكهرباء فجأة.

كان الأطفال يجلسون ينتظرون بداية القصة.

فأحضرت سناء شمعتين، وأشعلتهما.

جلست تروي بصوت خافت، كأنها تحكي سرًا لليل نفسه.

حين انتهت، قالت لهم : “أحيانًا، حين تنطفئ الأنوار  نرى ما لم ننتبه له من قبل.”

ومنذ ذلك اليوم، صاروا يحبون الأمسيات الممطرة، ويعتبرونها أجمل وقت للحكاية.

بعد أشهر، اكتشفت معلمة المدرسة تغيرًا في سلوك طلابها أصبحوا أكثر هدوءا، أكثر طرحًا للأسئلة، أكثر ميلًا لمساعدة بعضهم.

حتى رسوماتهم صارت تحمل خيالًا أوسع ومعاني أعمق.

سألت إحدى التلميذات المعلمة يومًا :“هل يمكن للقصص أن تجعلنا أفضل؟”

ابتسمت المعلمة وقالت: “إذا جاءت من قلب يحب… فهي تستطيع الكثير.”

أما الجدّة سناء، فقد تغيرت حياتها هي الأخرى.

لم تعد الوحدة تخيفها.

لم تعد الأيام متشابهة.

كل وجه صغير صار فصلًا جديدًا في كتاب عمرها.

مرّ عام كامل، وأصبح اسم “بيت الحكايات” معروفًا في الحي.
لم يكن مشروعًا كبيرًا، ولا مبادرة رسمية.


كان مجرد بيت بسيط فيه امرأة طيبة وكتب قديمة وأطفال يملؤون المكان بالضحكات.

في آخر يوم من العام، جاء الأطفال يحملون صندوقًا صغيرًا ملفوفًا بأوراق ملوّنة.

مليئ برسومهم حتى تعلقها كذكرى ، رسوم مضحكة وغريبة بما تخيلوه من القصص التي استمعو لها .

دمعت عيناها لكنها خبأت دموعها خلف ابتسامة وشكرتهم .

في تلك اللحظة أدركت سناء أن العطاء الحقيقي لا يعود إليك كما خرج بل يعود أعظم، ألطف، وأغنى مما تتخيل.

خلاصة القصة

لم يكن بيت الجدّة سناء كبيرًا، لكنه صار وطنًا صغيرًا يتربى فيه معنى الرحمة.


ولم تكن القصص مجرد تسلية للأطفال، بل كانت جسورًا من المحبة والتواضع والعطف.


أحيانًا، كل ما يحتاجه العالم ليصبح مكانًا ألطف…هو صوت دافئ يقرأ قصة، وقلب يقول … أنا هنا، لست وحدك .

ندى والزهرة

لم تكن ندى تبحث عن أن تصبح فنانة عظيمة.


لم تكن تحلم بمعارض، ولا بتوقيع على لوحات، ولا حتى بلقب “فنانة”.

كل ما كانت تشعر به…
هو ذلك الفراغ الصغير الذي يظهر عندما تشعرين أن يديك قادرتان على أكثر مما تفعلين.

في طفولتها، كانت الحديقة مجرد خلفية.


أزهار تظهر وتذبل، أعشاب تُقتلع بلا تفكير، ونباتات تؤدي دورها ثم تختفي من الذاكرة.


كبرت، وتعلمت تنسيق الزهور، ثم عملت في مهنة تعتمد على النبات، لكنها لم “تره” حقًا.

كانت قريبة من الجمال…
لكنها لم تكن داخله.

في صباح عادي، جلست أمام طاولة صغيرة قرب النافذة.


لا خطة، لا مشروع، لا هدف مهني.

دفتر أبيض.
قلم.


وزهرة بسيطة، اعتادت رؤيتها دون أن تسأل عنها يومًا.

لكن هذه المرة…
نظرت.

ليس نظرة سريعة.


بل نظرة بطيئة، متأنية، كأنها ترى الزهرة لأول مرة.

لاحظت أن البتلات لا تتطابق.


أن الساق لا يقف مستقيمًا كما في الرسومات الجاهزة.
أن هناك انحناءة خجولة، كأن الزهرة تميل لتسمع شيئًا لا نسمعه نحن.

عندما بدأت ترسم، أدركت شيئًا مفاجئًا: لم تكن “تنسخ” الزهرة… كانت تتعرّف عليها.

في اليوم التالي، عادت إلى الزهرة نفسها.
لكنها لم تكن نفسها.

رأت تفاصيل جديدة.
سألت أسئلة لم تخطر لها من قبل:ما اسمك؟
متى تظهرين؟
لماذا تنمين هنا تحديدًا؟

تذكّرت جملة سمعتها قديمًا من معلمتها:
عندما تعرفين اسم الزهرة، تصبح أقل وحدة.”

ضحكت وقتها.
أما الآن، فقد فهمت.

الاسم ليس معلومة.
الاسم بداية علاقة.

ندى لم تصبح فجأة فنانة محترفة.
لكنها تغيّرت.

  • صارت ترسم نبتة واحدة فقط في كل مرة
  • تتوقف عندما تتعب عينها
  • تعود في اليوم التالي دون شعور بالذنب
  • تقبل الخطأ لأنه جزء من الرؤية

اكتشفت أن:

الفن لا يدرّب اليد فقط… بل يدرّب الانتباه.

حتى في عملها اليومي، تغيّر كل شيء.
الأعشاب لم تعد “أعشابًا”:

  • هذه عنيدة
  • تلك عابرة
  • وأخرى تحمل زهرة صغيرة لا يلاحظها أحد

شعرت بالخجل قليلًا…
لكنها لم تحزن.

لأن الفن علّمها أن الفهم يمكن أن يأتي متأخرًا.
وهذا كافٍ.

رسالة إلى الفنانة المبتدئة

إذا كنتِ في البداية…
إذا شعرتِ أن يدك “ليست جيدة بما يكفي”
أو أن رسمك “غير مكتمل”
أو أنك لا تعرفين من أين تبدئين تذكّري ما تقوله ندى اليوم لكل من تسألها: ابدئي بنبتة تحبينها.
لا مشروع كبير.
لا مقارنة.
نبتة واحدة فقط…
ودعيها تعلّمك كيف تنظرين.

أمسية الغرز في مقهى الزيتون

في قلب قرية صغيرة على أطراف مدينة صفاقس، يقع مقهى خشبي دافئ اسمه الزيتون.

 جدرانه تروي حكايات من الماضي: صور الجدّات وهنّ يحيكن في فناء البيوت، وعلب خيوط صوفية بألوان البحر والقمح.

في مساء شتوي من يناير 2022، قررت أمينة، مدرسة متقاعدة، أن تعيد الحياة إلى هذه الحرفة القديمة.

كانت قد لاحظت أن نساء القرية، بعد يوم طويل من العمل المنزلي، يجلسن في صمت أمام التلفاز.

قالت لنفسها:

“ماذا لو جمعنا الغرز بدلًا من الهموم؟”

بدأت بفكرة بسيطة: أمسية حياكة في المقهى، كل خميس.

أحضرت بعض الخيوط وإبرًا قديمة ورسمت لافتة صغيرة كتبت عليها:

أمسية الغرز – تعالي نحيك ونحكي.”

البداية الخجولة

في الأسبوع الأول جاءت امرأتان: حياة التي لم تمسك خيطًا منذ زفافها، وليلى التي أرادت تتعلم الغرز لتخيط قبعة لطفلها المريض.

جلسن حول الطاولة الخشبية الصغيرة، وبخجل بدأن أول غرزة.

لم يكن الصوت الوحيد في المكان هو اصطدام الإبر، بل ضحكات خفيفة تتخللها ذكريات الطفولة.

ولادة مجتمع صغير

بعد أسابيع قليلة، أصبح المقهى يمتلئ مساء الخميس.

جاءت الطالبات، والجارات، وحتى الجدّات اللاتي كنّ يملأن المكان بحكايات “الكروشيه أيام زمان”.

لم تعد الأمسية عن الحياكة فقط، بل عن الونس، التبادل، والتشجيع.

كل قطعة كانت تحمل قصة

  • قبعة حاكتها أمينة لطفلة يتيمة.
  • وشاح صنعته ليلى لبيع أول قطعة في السوق المحلي.
  • مفرش طاولة صممته طالبة لتزيين مقهى الزيتون نفسه.

من المهارة إلى التضامن

تحوّل النادي الصغير إلى مبادرة مجتمعية اسمها غرز الدفء، تجمع بين التعليم والعمل الخيري.


تعلّم النساء المبتدئات الغرز من المحترفات مجانًا، ويُقدَّم جزء من الإنتاج لمأوى المسنين في القرية.

تقول أمينة بابتسامة:

“كل غرزة صارت رسالة، وكل وشاح صار دفئًا لشخصٍ آخر.”

أثر التجربة على المجموعة

المهارة

النساء اكتسبن الثقة في الحياكة وتصميم المنتجات.

التواصل الاجتماعي

أصبح المقهى فضاءً للضحك والدعم والمساندة.

القيمة الاقتصادية

بعض المشاركات بدأن ببيع منتجاتهن في الأسواق المحلية.

القيمة النفسية

وجدن في الغرز متنفسًا من الوحدة والروتين.

في نهاية كل لقاء، كانت أمينة تردد جملتها التي أصبحت شعار المجموعة:

“الخيط لا يربط الصوف فقط، بل يربط القلوب.”

ياسمين و الماء

في صباحٍ رمادي من صباحات غزة، خرجت ياسمين ذات الأعوام الثمانية من خيمتها الصغيرة وهي تمسك بعبوتين فارغتين من البلاستيك.
كانت الأرض ما تزال رطبة من مطر الليل، لكن العطش كان قد استيقظ قبل الجميع.

في الأفق بقايا بيوت مهدّمة، وأكوام حجارة تشبه الصمت الذي يسكن المكان.

تتقدّم بخطوات خفيفة، حافية القدمين، تحمل في عينيها ما لا يستطيع الكبار حمله من وجع. تقول لأمّها قبل أن تخرج:

“ما تقلقي، رح أرجع بسرعة، يمكن اليوم ألاقي ميّ نظيفة.”

تهز الأم رأسها بصمت.
لم يعد في صوتها شيء من الرجاء، لكن في نظرة ابنتها الصغيرة يسكن نوع آخر من الإيمان — الإيمان بالماء.

تمرّ ياسمين بين أنقاض الشوارع التي كانت يومًا ساحات لعب.
تتعرّف على الطريق من رائحة الغبار، ومن صوت الريح التي تمرّ بين حطام النوافذ المكسّرة.
كلّ بئر في غزة أصبح سرًّا، وكل نقطة ماء كنزًا لا يُفشى.

في يدها اليمنى عبوة، وفي اليسرى عبوة أخرى أكبر منها حجمًا، كأنها تحمل العالم كله.
تتوقف عند خيمةٍ فيها امرأة عجوز تمدّ يدها بتعب: “يا بنتي، إذا لقيتوا ميّ، جيبيلي شوي، ريقي ناشف.”
تهز ياسمين رأسها وتقول:”أكيد تيتا، رح أرجعلك قبل الغروب.”

تصل إلى طرف الحيّ، حيث يقف صنبور مكسور يتسرّب منه خيط ماء رفيع.
وراءها طابور من الأطفال يحملون زجاجات، صفّ طويل من الصبر.
تحني ظهرها الصغير وتملأ العبوة الأولى، ثم الثانية.
الماء ليس نقيًا، لكنه صافٍ بما يكفي ليحمل الأمل.

عندما تقع قطرة على يدها، تضحك.
ضحكتها تلمع مثل حبة زجاج بين الركام.
تذكّرت أخاها الصغير الذي ينتظرها في الخيمة، وجدتها التي لا تستطيع النهوض.
تغمض عينيها وتقول في سرّها: “يا رب، خلّي المي تكفي للجميع اليوم.”

تعود ببطء، والعبوتان ثقيلتان.
تسير بين الخيام الممزّقة، في طريق صار رمادًا.
تمرّ على مجموعة من الأطفال يلعبون بالتراب، تضع لهم قليلاً من الماء في غطاء العبوة ليغسلوا وجوههم.
تضحك إحداهن وتقول:”ياسمين، إنتِ دايمًا طيّبة!”

تتابع طريقها، تشعر بالريح الساخنة على وجهها.
عندما تصل إلى الخيمة، تضع الماء أمام أمّها كأنها تضع كنزًا.
تملأ كوبًا صغيرًا، وتوزّع القطرات بعدلٍ دقيق: للأم، للجدّة، للأخ، ثم تترك آخر رشفة لنفسها.

تشربها ببطءٍ شديد، وتهمس: “الماء رجع، بس شوي… يمكن بكرة يجي أكثر.”

في غزة اليوم، لا تقاس الطفولة بالألعاب، بل بعدد الأمتار التي تسيرها ياسمين كل صباح بحثًا عن الماء.
هي لا تعرف معنى “الهدنة” ولا تفهم في السياسة، لكنها تعرف أن الماء حياة، وأن على كلّ من يستطيع أن يملأ زجاجة يجب أن يفعل.

ياسمين ليست بطلة في الأخبار، لكنها بطلة في عيون أمها، وفي ذاكرة كل طفل ينام عطشانًا.
وفي الغد، حين تشرق شمس جديدة على الركام، ستنهض من جديد، تحمل عبوتيها، وتخرج لتبحث عن الحياة، نقطةً نقطة.

الأهداف الإنسانية والاجتماعية

  1. إبراز معاناة المدنيين في غزة وخاصة الأطفال، بطريقة تحفّز التعاطف والفهم بدلًا من الشفقة.
  2. غرس قيم المشاركة والتكافل من خلال تصرف ياسمين التي لا تحتفظ بالماء لنفسها فقط بل تشاركه مع الآخرين.
  3. تعليم أهمية الموارد البسيطة مثل الماء، وتقديرها كنعمة لا تُقدّر بثمن.
  4. تعزيز الإحساس بالمسؤولية الجماعية في الأزمات، حيث يمكن لكل إنسان – مهما كان صغيرًا – أن يكون سببًا في التغيير.
  5. نشر ثقافة الأمل رغم الصعوبات، وإبراز أن الأمل لا يحتاج إلى ظروف مثالية، بل إلى قلبٍ مؤمن بالحياة.

قائدة القافلة الصغيرة

في أطراف مدينة الفاشر، كانت زبيدة تجلس على صخرة صغيرة تمسك بيد طفلها بشير، بينما تتناثر خلفها خيام بيضاء مزّقتها الرياح.

 لم تكن تتذكر آخر مرة نامت فيها دون أن تصحو على صوت الرصاص أو صراخٍ من بعيد.


منذ أن اجتاحت المليشيات المدينة، تحولت شوارعها إلى ظلال رمادية، واختفى الجيران واحدًا تلو الآخر.

 مات زوجها في يومٍ من أيام الخوف حين حاول تأمين طريق الماء من البئر إلى الحي، وترك لها ثلاثة أطفال وجدّة عجوز لا تستطيع السير.

لكن زبيدة، تلك المرأة التي كانت تُعرف بابتسامتها في السوق القديم، لم تعرف طريق الانكسار.

جمعت ما تبقّى من قوتها كما تجمع الخياطة بقايا القماش لتصنع منها قطعة جديدة.

في إحدى الليالي، عندما اشتدت الغارات، جمعت زبيدة أولادها في زاوية الغرفة المتهالكة وقالت لهم بهدوء:

“الحرب ما بتأخذ منّا غير اللي نتركه لها… ونحن ما حنترك حياتنا.”

قررت أن تهرب بالعائلة إلى معسكر النازحين في الشمال.

كانت الرحلة قاسية.

 ساروا ثلاثة أيام بين الجبال، يأكلون حبات الدخن القليلة التي خبأتها زبيدة في خرقة من القماش.

كانت تغلي الأعشاب في الماء ليبدو كحساء للأطفال، وتربط أقدامهم بأكياس الطحين حتى لا تحرقهم الرمال الساخنة.

وفي الطريق، انضمت إليهم نساء أخريات، فقدن بيوتهن وأزواجهن.

 صارت زبيدة قائدة القافلة الصغيرة، تواسي الخائفات، وتغني للأطفال أغاني القرية القديمة حتى لا يشعروا بالرعب.

حين وصلت العائلة إلى مخيم النعيمة قرب الفاشر، بدا المكان كعالمٍ جديد: صفوف طويلة من الخيام، ورائحة الطين والمطر، وصرخات الأطفال تختلط بأذان العصر.

لكن زبيدة لم تنظر إلى المكان كمنفى، بل كورشة حياة جديدة.
جمعت النساء، وبدأت تنظّم بينهن عملاً صغيراً: تخيط من أكياس الإغاثة فرشًا للأطفال، وتصنع من عبوات الماء المقطوعة مصابيح صغيرة تُعلّق أمام الخيام.

قالت لهن: نحن ما محتاجين ننتظر المساعدة، نحن المساعدة نفسنا.

سرعان ما انتشرت فكرتها، وصار المخيم يعجّ بالحركة.

أنشأت “زاوية الأمل” — خيمة صغيرة تتعلم فيها النساء التطريز والحياكة باستخدام خيوط ملونة كانت تأتي ضمن تبرعات الأمم المتحدة.

 صارت زبيدة المعلمة الأولى، وبدأت تصنع الحقائب الصغيرة وتبيعها في السوق القريب.

جاء موسم الأمطار بعد شهور، فانهارت بعض الخيام، وجرفت السيول الطعام والملابس.
لكن زبيدة لم تستسلم.

 جمعت الشبان والنساء، وأعادت نصب الخيام على مرتفعات أكثر أماناً.

علمت الأطفال كيف يصنعون سدودًا صغيرة من أكياس الرمل حول الخيام.
وفي المساء، كانت تجلس قرب النار، تقصّ عليهم قصصاً عن دارفور القديمة، عن الحصاد والأفراح والرحمة التي كانت تجمع القلوب.

صار صوتها رمزاً للثبات. كل من يسمعها يقول: “زبيدة نجّت بأولادها… ونحن حنتبع طريقها.”

بعد عام، تحولت خيمة زبيدة إلى مركزٍ صغير للحرف اليدوية.
صارت منتجات النساء تُعرض في السوق المحلي، ثم بدأت تصل صورها إلى مواقع التواصل.

جاءت صحفية أجنبية لتوثّق قصص المخيم، وكتبت عن “النساء اللواتي يخطن الحياة بخيوطٍ من رماد الحرب”.

وبعد أشهر، وصل الدعم من منظمات خيرية لتوسيع المشروع.
زبيدة لم تعد فقط أمًا ناجية، بل أصبحت رمزًا للإصرار السوداني في وجه الجوع والدمار.

كانت تقول لكل من يسألها عن السر: النجاة ما كانت في الهرب… النجاة كانت في أن نعيش رغم كل شيء.

مع مرور الوقت، بدأت العائلات الأخرى تتبع خطى زبيدة.
أنشأوا مشاريع صغيرة من أدوات بسيطة: بعضهم صنع الأفرشة، وآخرون أنشأوا مطبخًا جماعيًا، والبعض بنى فصولاً للأطفال تحت ظلال الأشجار.

لم تعد الفاشر مدينة الخوف فقط، بل صارت شاهدة على صمود النساء اللاتي واجهن الموت بالإبرة والماء والرحمة.

في نهاية النهار، تجلس زبيدة أمام خيمتها، تمسك بخيط أحمر وتخيط ثوبًا جديدًا لابنتها.
تقول وهي تنظر إلى الأفق: “طالما في خيط وإبرة، في أمل.

ومن حولها، النساء والأطفال يرددون:نحن من خيطنا الحياة من جديد.

معاني الكلمات والتعابير

الفاشر مدينة في إقليم دارفور غرب السودان، وكانت عاصمة تاريخية، وتُعد مركزًا سكانيًا مهمًا.

المليشيات جماعات مسلحة غير نظامية، لا تتبع لجيش رسمي، وغالبًا تشارك في النزاعات المسلحة.

خيام بيضاء خيام الإغاثة التي تُستخدم في مخيمات النازحين، غالبًا تُقدَّم من منظمات إنسانية.

انكسار ليس المقصود الكسر الحرفي، بل الهزيمة النفسية وفقدان الأمل.

تدبير القدرة على التخطيط بحكمة واستخدام القليل المتاح لتسيير الحياة.

الدخن نوع من الحبوب يُزرع في السودان وأفريقيا، ويُستخدم كغذاء أساسي في المناطق الريفية.

خرقة قطعة قماش قديمة أو ممزقة تُستخدم للحفظ أو اللف.

قائدة القافلة امرأة تتولى تنظيم المجموعة وإرشادها أثناء الرحلة، رغم عدم وجود منصب رسمي.

المخيم مكان تُنصب فيه خيام لإيواء النازحين أو اللاجئين بعد النزوح من بيوتهم.

منفى مكان يُجبر الإنسان على العيش فيه بعيدًا عن موطنه الأصلي.

أكياس الإغاثة أكياس تُقدَّم من منظمات إنسانية، غالبًا تحتوي على دقيق أو مواد غذائية.

زاوية الأمل اسم رمزي أطلقته زبيدة على الخيمة التعليمية، للدلالة على بداية جديدة.

الحياكة صناعة الأقمشة أو المنتجات باستخدام الخيوط والإبر (كالخياطة أو الكروشيه).

معجزة المطر تعبير مجازي؛ فالمطر هنا اختبار صعب وليس معجزة إيجابية فقط، لأنه سبب دمارًا لكنه كشف قوة الناس.

السيول مياه الأمطار الغزيرة التي تجري بقوة وتُسبب الخراب.

رمز للثبات شخص يُضرب به المثل في الصبر والقوة وعدم الاستسلام.

خيوط من رماد الحرب تعبير بلاغي يعني: صنع الحياة والأمل من بقايا الدمار والمعاناة.

الإصرار السوداني صفة تُشير إلى الصبر، التحمل، والقدرة على النهوض رغم الشدائد.

الإبرة هنا ليست أداة فقط، بل رمز للعمل، والرزق، وإعادة بناء الحياة.

المتسوق الكريم

في أحد الأحياء المتوسطة، عاش رجل مسن اسمه جابر.

 كان رجلاً هادئاً، ملامحه تشبه صفحات كتاب قديم امتلأت بالحكمة والخير.

 لم يكن له عائلة، ولم يكن يحتاج لشيء من أحد، فقد كان وضعه المادي مريحًا، وقلبه أكثر غنى من أي مال.

اعتاد جابر أن يتوجه كل صباح نحو بيوت الحي، ليس لأن لديه عملاً أو التزامًا، بل لأن قلبه اختار أن يعيش بين الناس كضوء صغير لا ينطفئ.

كان يدخل الأزقة بخطوات ثابتة، يبتسم للأطفال، ويسأل كبار السن عن أخبار صحتهم، ويجلس أمام بيوت الأرامل يتبادل معهن أطراف الحديث كابن بار لا يملّ.

لم يكن أحد منهم يشعر بالوحدة طالما جابر يتجوّل بينهم.

كان يملك دفترًا صغيرًا يضعه في جيبه الداخلي.

كلما سمع حاجةً، كتبها بتأنٍّ وحرص، وكأنه يجمع وصايا أحبائه.

 امرأة أرملة تحتاج حليباً لابنها، شيخ عليل يحتاج دواء الضغط، طالبة يتيمة تحتاج كراسًا وقلماً… كل شيء كان يُكتب.

 لم يكن يسأل عن التفاصيل أو الأسباب؛ كان يكتفي بأن هناك من يحتاج.

يوم الجمعة كان يومه المميز.

 يخرج من بيته مبكرًا وهو يدفع العربة التي رافقته لسنوات طويلة، عربة اهترأت أطرافها ولكنها بقيت شاهدة على كرم صاحبها.

 يذهب إلى متجر كبير في أطراف المدينة، يتجول بين الأرفف وكأنه يشتري لعائلته الكبيرة، يملأ عربته بحاجات عشرات البيوت: أكياس الأرز والسكر، الخبز، الفواكه، المناديل، وأحيانًا ألعاب صغيرة يخبئها للأطفال كهدية مفاجئة.

الجميل أن جابر لم ينتظر يومًا شكراً من أحد. كان يطرق الأبواب، يسلّم الأكياس بابتسامته الهادئة، ثم يمضي قبل أن يسمع كلمة “جزاك الله خيرًا”. كان يقول دائمًا:
العطاء الحقيقي هو ما لا يُقال بعده شكر… هو الذي يُترك لله فقط.”

لكن رغم إخفائه لعمله، كان أثره ظاهرًا في الحي.

الأرامل ابتسمت من جديد، كبار السن شعروا بالأمان، والأطفال عرفوا معنى الطمأنينة… ليس لأن حاجاتهم وُفِّرت فقط، بل لأن هناك من يهتم.

ومع مرور السنوات، أصبح جابر رمزًا للعدل.

لم يفرّق بين بيت غني وفقير، ولا بين جار قريب وآخر بعيد.

كان يحرص أن يصل الخير إلى الجميع، وأن يكون ما بيده وسيلة لرفع تعب الآخرين، لا وسيلة تفاخر.

وفي أحد الأيام، اجتمع أهل الحي وقرروا أن يردّوا لجابر بعضًا مما قدمه لهم.

لم يختاروا هدية، بل اتفقوا على أمر أجمل: أن يواصل كل واحد منهم ما كان جابر يفعله ولو بالقليل.

أن يسألوا عن بعضهم، أن يمدّوا يد العون، أن يزيحوا عن الآخرين ما يستطيعون.


حينها فقط، أدرك جابر أن رسالته لم تكن شراء حاجيات… بل زرع عادة الكرم في القلوب.

وقف أمامهم وقال بصوته المتهدّج:
العطاء ليس مالاً… العطاء عدلٌ ورحمة.

إذا أردنا حيًّا سعيدًا، فلنبدأ بأن نسأل: من يحتاج؟ لا من يستحق.”

ومن ذلك اليوم، صار جابر معلّم العطاء في حيه، وكل خطوة من خطواته تركت أثراً باقياً… أثراً يشبه رائحة الخبز الدافئ حين يخرج من المخبز، يلامس الروح قبل أن يصل إلى اليد.

بدريه والأحذية

كانت بدريه فتاة في الثالثة عشرة من عمرها، تعيش في حي صغير مليء بالمنازل المتقاربة والحدائق الصغيرة.

كانت محبوبة بين جيرانها، وطيبة القلب، لكن كان لديها مشكلة غريبة : لم تكن تجد الأحذية المناسبة دائمًا.

 ليس لأنها لا تملك المال، بل لأن قدميها حساسة جدًا، وأي حذاء ضيق أو ثقيل يسبب لها الألم فورًا.

بدأت مشكلة بدريه منذ صغرها.

كل مرة كانت تشتري حذاءً جديدًا، بعد أيام قليلة تبدأ قدماها في التقرح، أو يصبح الحذاء ضيقًا ومزعجًا.

 كانت تحاول التجاهل، لكنها لم تكن تستطيع الجري أو اللعب مع أصدقائها بسبب الألم.

في المدرسة، كانت بدريه تشاهد صديقاتها وهن يركضن ويلعبن كرة القدم بلا مشاكل، بينما كانت هي تجلس على المقعد الجانبي، تحاول أن تخفي حزنها.

لم تحب أن يشفق عليها أحد، لذلك غالبًا ما كانت تبتسم رغم الألم.

وذات يوم، قررت بدريه أن تحل مشكلتها بنفسها

 ذهبت إلى المكتبة للبحث عن أي شيء يساعدها على اختيار الأحذية المناسبة.

 قرأت عن أنواع القدم، والمواد المرنة، والحشوات الخاصة، والغرز التي تجعل الحذاء أكثر راحة.

كانت عيناها تلمعان من الحماس، أخيرًا وجدت بداية حل.

بعد العودة للمنزل، بدأت بدريه تصنع أحذيتها الخاصة.

استخدمت خيوطًا مرنة، قماشًا ناعمًا، وفومًا صغيرًا من أي حذاء قديم.

 كانت تجلس لساعات في غرفتها، تقيس، تخيط، وتجرب.

 أول محاولة لم تنجح بالكامل، لكن لم تيأس.

 تعلمت من كل حذاء جديد، وعدلت التصميم ليصبح أكثر راحة.

وبمرور الوقت، أصبح لديها مجموعة أحذية مريحة ومميزة.

 لم تكن جميلة فقط، بل كانت مناسبة تمامًا لقدميها.

بدأت بدريه تشارك أفكارها مع صديقاتها، اللواتي أحببن الأحذية الجديدة، وطلبن منها أن تصنع لهن أحذية أيضًا.

تحولت مشكلة بدريه إلى مشروع صغير ملون ومبدع

 لم تعد مجرد فتاة تعاني من الأحذية، بل أصبحت مصممة أحذية صغيرة تلبي حاجة صديقاتها وزميلاتها.

 وكل حذاء تصنعه كان يحمل لمستها الخاصة حبها، صبرها، وإبداعها.

وفي النهاية، تعلمت بدريه درسًا مهمًا: أحيانًا ما يبدو مشكلة كبيرة في حياتك يمكن أن تتحول إلى فرصة للإبداع والنجاح، فقط إذا صبرت وحاولت بذكاء .

المهارات المستفادة من القصة

حل المشكلات والإبداع

  • بدريه لم تستسلم لمشكلتها مع الأحذية، بل فكرت في حلول مبتكرة لصنع حذاء يناسب قدميها.
  • استخدام الموارد المتاحة (أحذية قديمة، خيوط، قماش) لتصميم شيء جديد يعكس الإبداع العملي.

المثابرة والصبر

  • التجربة والخطأ: كل حذاء تصنعه لم يكن مثاليًا من المرة الأولى، لكنها استمرت حتى وصلت للحل المناسب.
  • الصبر على الألم والمشاكل اليومية قبل التوصل للحل.

التعلم الذاتي

  • بدريه ذهبت إلى المكتبة لتتعلم عن أنواع الأحذية وموادها وتقنيات تصميمها.
  • القدرة على البحث والتعلم بمفردها واستخدام المعلومات عمليًا.

الإدارة وتنظيم الوقت

  • جلست لساعات لتخيط وتجرب وتعدل، ما يعكس تنظيم العمل وإدارة الوقت لإكمال مشروع صغير.

المهارات اليدوية والفنية من القصة

  • الخياطة، قياس الأحذية، التعامل مع الأقمشة والخيوط والفوم.
  • تطوير حس فني في ترتيب الألوان واختيار المواد المناسبة.

التواصل ومهارات اجتماعية

  • مشاركة أفكارها مع صديقاتها، وتلبية طلباتهن، ما يعكس القدرة على التعاون والمشاركة.
  •  

ريادة الأعمال الصغيرة

  • تحويل مشكلة شخصية إلى مشروع صغير يمكن للآخرين الاستفادة منه، وهو بداية التفكير التجاري وريادة الأعمال.

شوبا وتدوير الزجاج والخرز

في قرية هادئة على أطراف كيرلا، حيث يلمع المطر على أوراق جوز الهند وتختلط رائحة الشاي بالتراب الرطب، كانت شوبا تجلس كل صباح قرب نافذتها الخشبية، تجمع قطع الزجاج الصغيرة في صندوق قديم.

 لم تكن تلك القطع تشبه الكنوز في نظر أحد، زجاجات مكسورة، خرز فقد بريقه، وأزرار تائهة من ثيابٍ نسيتها السنوات.

 لكن شوبا كانت ترى فيها ما هو أبعد من الكسران: كانت ترى فرصة جديدة للحياة.

كبرت شوبا في بيت بسيط، تعلمت فيه من أمها أن ما يُلقى اليوم قد يصبح نعمة الغد.

 كانت أمها تُصلح الأواني، وتحوّل بقايا القماش إلى مفارش، وتعلّمها أن الاحترام يبدأ من الأشياء الصغيرة.

 حين رحلت الأم، بقيت الكلمات، وبقي الصندوق الخشبي الذي صار رفيق شوبا الدائم.

في بداياتها، لم تكن شوبا فنانة مشهورة.

كانت امرأة تعمل بصمت، تنظف الزجاج بحذر، وتثقب الخرز بإبرة رفيعة، وتعيد ترتيب الفوضى حتى تتحول إلى نقش.

 كانت تستخدم شظايا الزجاج الملون لتصنع فسيفساء تشبه حقول الأرز، وتجمع الخرز المهمل لتخطّ به مسارات الضوء.

كل قطعة كانت تحمل قصة: زجاجة عطر فارغة من عرسٍ قديم، خرزة من عقدٍ انقطع في مهرجان، زرّ من قميص طفل كبر وغادر.

لم تكن شوبا تملك مرسمًا فخمًا، بل طاولة خشبية مهترئة، وضوء شمسٍ يتسلل من النافذة.

 كانت تقول لتلاميذها لاحقًا: الاستدامة لا تبدأ من المال، بل من النظرة.

نظرة ترى القيمة في المهمل، والاحتمال في الكسر، والجمال في التواضع.

ذات يوم، زارتها معلمة من المدرسة المجاورة، رأت لوحة زجاجية صغيرة تتلألأ بألوانٍ هادئة.

 سألتها بدهشة: من أين اشتريتِ هذا الزجاج؟

 ابتسمت شوبا وقالت: من القمامة.

لم تكن الإجابة مزحة، بل درسًا.

هكذا بدأت الحكاية تنتشر، ليس كخبر عن فنانة، بل كفكرة بسيطة يمكن لأي أحد أن يتبناها.

فتحت شوبا باب بيتها للأطفال بعد المدرسة.

علّمتهم كيف يغسلون الزجاج بأمان، وكيف يختارون الخرز بحسب اللون والملمس، وكيف يخططون التصميم قبل التنفيذ.

كانت تشدد على السلامة، وعلى احترام المواد، وعلى الصبر.

تقول لهم: لا نكسر لنصنع، نحن نصنع مما كُسر بالفعل.

كان الأطفال يعودون إلى بيوتهم وهم يحملون قطعًا صغيرة، لكنهم يحملون قبلها إحساسًا جديدًا بالمسؤولية.

مع الوقت، صارت أعمال شوبا تُعرض في معارض محلية، ثم دعيت إلى مهرجانات فنية.

كلما صعدت إلى منصة، بدأت حديثها بالقصة ذاتها: الصندوق الخشبي، نافذة الصباح، وأمٌّ علمتها الإصلاح.

لم تتحدث عن الجوائز بقدر ما تحدثت عن الأثر: كيف يقلّ الهدر حين نعيد التفكير، وكيف تتحول الاستدامة من شعارٍ كبير إلى ممارسة يومية.

كانت تقول: التدوير ليس حلاً بيئيًا فقط، بل علاجٌ للقلب.

حين تُنقذ شيئًا من الضياع، تُنقذ جزءًا منك.

 وتضيف: الفن لا يحتاج مواد نادرة، يحتاج نية صادقة.

 هذه الكلمات جعلت كثيرين يعيدون النظر في عاداتهم: زجاجات تُجمع بدل أن تُرمى، خرز يُعاد استخدامه، وأيدٍ تتعلم بدل أن تستهلك.

في إحدى الورش، سألتها فتاة صغيرة: هل سأصبح فنانة مثلك؟

ركعت شوبا على مستوى عينيها وقالت: ستصبحين أفضل بطريقتك.

 إن أحببتِ الأرض، ستقودك إلى الفن.

 لم تعد شوبا تُعرف فقط بأعمالها الزجاجية، بل بروحها المتواضعة التي ترى النجاح في المشاركة، لا في الاحتفاظ.

اليوم، ما زال الصندوق الخشبي في مكانه، امتلأ أكثر، لكنه لم يفقد معناه.

كل قطعة تدخل إليه تحمل وعدًا جديدًا.

 شوبا تعرف أن الاستدامة رحلة طويلة، لكنها تؤمن أن كل خطوة صغيرة تُحدث فرقًا.

وحين تغلق نافذتها مساءً، تبتسم وهي ترى الضوء ينعكس على فسيفساء صنعتها من بقايا الأمس دليلًا حيًا على أن التدوير ليس عودة إلى الخلف، بل تقدمٌ واعٍ نحو مستقبلٍ أرحم.

قصة شوبا ليست دعوة لأن نكون فنانين جميعًا، بل لأن نكون مُصلحين نصلح علاقتنا بالأشياء، وبالأرض، وبأنفسنا.

 فحين نختار أن نعيد الاستخدام، نختار أن نُعيد الأمل.

الاستدامة والتدوير

  • إدراك أثر النفايات وأهمية تقليل الهدر عبر إعادة الاستخدام.
  • دورة حياة جديدة للمواد بدل اعتبارها نهاية.
  • الإنتاج الفني دون الاعتماد على خامات جديدة أو مكلفة.