انتظار قطة

كان الصباح يتسلل بخفة إلى الغرفة، خطوط من الضوء الذهبي تتسلل عبر الستارة البيضاء المائلة ، والنسيم يدخل من النافذة المفتوحة نصف فتحة ، يحمل معه أصوات الشارع البعيد.

 جلست القطة على حافة الطاولة ، ظهرها مستقيم وذيلها ملتف حول قدميها الصغيرتين ، تحدق في الخارج بعيون متسعة.

 لم تكن ترى شيئًا محددًا ، لكنها كانت تعرف أنّ صاحبتها غائبة ، وأن العودة قادمة لا محالة.

انتظارها لم يكن وليد اللحظة ، بل كان عادة يومية

 كل صباح ، تراقب صاحبتها وهي ترتدي ثيابها ، تضع عطرها ، وتحمل حقيبتها.

 كانت القطة تتبع خطواتها حتى الباب ، ثم تعود مسرعة إلى النافذة ، لتجلس في مكانها المعتاد ، كأن النافذة صارت شاشة العالم الوحيدة التي تتيح لها أن تبقى قريبة ممن تحب.

الخارج بالنسبة لها كان مزيجًا من الأشياء المتغيرة أطفال يركضون إلى المدرسة ، طيور تهبط على الأسلاك وتنهض بخفة ، سيارات تمر وتترك خلفها ضجيجًا متقطعًا.

 لكنها لم تكن تنشغل بكل ذلك بقدر ما كانت تبحث عن ملامح مألوفة ، عن ظل ، عن حركة صغيرة تدل على أن صاحبتها في الطريق عائدة.

الوقت يمر بطيئًا ، يتثاءب مثل قطة أخرى ، والقلب الصغير تحت الفراء يدق على إيقاع الصبر.

 كانت أحيانًا تميل برأسها ، كأنها تستمع لخطوات غير موجودة ، أو تشم رائحة لا يحملها النسيم.

 كان الانتظار يجعل حواسها أكثر حدة ، وكأن العالم كله اختُزل في لحظة محتملة ، لحظة أن يفتح الباب ويطل الوجه الذي تحبه.

ذاكرتها لا تخونها أبدًا

كل انتظار طويل يذيبها في ذكريات أول لقاء.

تتذكر حين جاءت صاحبتها يومًا إلى السوق ، حيث كانت القطة صغيرة ، متعبة ، تتجول بين الأقدام بلا مأوى.

 لم يكن أحد يلتفت إليها ، لكن تلك اليد الناعمة امتدت ، رفعتها بحنان ، وضمتها إلى صدرها.

 منذ ذلك اليوم ، أصبح للقطة بيت ، وأصبح للقلب مكان يرسو فيه.

النافذة نفسها كانت تحمل ذكريات

على حافتها تعودت القطة أن ترى صاحبتها تجلس تقرأ كتابًا ، أو تضع نبتة صغيرة لتتعرض للشمس.

هناك، على هذا الإطار الخشبي ، تعلّمت القطة معنى الانتظار.

 الانتظار لتذوق الطعام معًا ، الانتظار للعب بخيط صوف ، الانتظار للحظة نوم على حضن دافئ.

حين يطول الغياب ، كانت القطة تحاول أن تلهي نفسها.

تقفز على الصناديق المكدسة ، تنزلق على البطانية الموضوعة على الطاولة ، أو تستلقي قليلًا على السرير الفوضوي.

 لكنها سرعان ما تعود أدراجها إلى النافذة ، كأن خيطًا غير مرئي يشدها إليها.

 فالانتظار ليس فعلًا عابرًا ، بل هو جزء من روحها.

تمر ساعات النهار ، والضوء يتبدل.

 يعلو صوت الباعة في الشارع ، ثم يخفت.

تمر نسوة يحملن أكياس الخبز ، ويجري صغار نحو بيتهم.

 القطة تتابع كل شيء ، لكن عينيها تبقى فارغتين إلا من صورة واحدة.

 صاحبتها وهي تفتح الباب.

في بعض اللحظات ، يدخل القلق.

 ماذا لو تأخرت أكثر؟

ماذا لو لم تعد اليوم؟

 قلب القطة لا يعرف معنى الغياب الطويل ، كل دقيقة تصبح ثقيلة ، كأنها حجر يوضع على قلبها.

 لكنها في الوقت نفسه ، تظل ثابتة ، مؤمنة أن الغياب مهما طال، العودة قادمة.

وحين يبدأ الغروب ، يصبح الانتظار أشد

 الظلال تطول في الغرفة ، والهواء يبرد.

 القطة تزحف أكثر نحو النافذة ، ترفع رأسها،  تحدق بتركيز.

العالم في الخارج يتحول إلى ألوان رمادية ، لكن في داخلها نار صغيرة تشتعل، نار الأمل.

ثم يحدث ما كانت تنتظره

خطوات مألوفة على الدرج ، حركة المفتاح في الباب ، ورائحة عطر تتسلل قبل أن يدخل الجسد.

 في لحظة ، تقفز القطة من مكانها ، تركض مسرعة نحو الباب ، ذيلها يرتفع عالياً ، صوتها يخرج مواءً قصيرًا لكنه مليء بالعاطفة.

 الباب يُفتح ، وتظهر صاحبتها ، بابتسامة متعبة لكنها دافئة.

تدور القطة حول قدميها ، تحتك بهما ، كأنها تريد أن تقول: لقد انتظرتك ، كنت هنا طوال الوقت.

تنحني الفتاة، تلمس رأسها الصغير، تهمس  اشتقت لك. وفي تلك اللحظة ، يتبخر كل قلق ، كل بطء في النهار، كل فراغ خلفته الساعات الطويلة.

الانتظار يتحول إلى فرح ، والنافذة تتحول من شاشة فارغة إلى ذكرى جديدة .

 ذكرى أن الحب الحقيقي يعرف كيف ينتظر