
لم تكن مريم تعرف أن ورقة واحدة يمكن أن تُربك الإنسان إلى هذا الحد.
كانت جالسة أمام الطاولة، تنظر إلى الشاشة الفارغة، وتعيد قراءة السؤال نفسه اكتبي سيرتك الذاتية.
أغلقت الحاسوب.
قالت في نفسها وماذا أكتب؟
كل ما في حياتها يبدو متقطعًا دراسة لم تكتمل، وظائف قصيرة، سنوات في البيت، ومسؤوليات لا تُكتب في استمارات التوظيف.
في تلك الليلة، أرسلت لها صديقتها رابطًا صغيرًا بعنوان بسيط
كيف تبدأين كتابة السير الذاتية من المنزل؟
قرأت مريم السطور الأولى بفضول، ثم وجدت نفسها تبتسم.
اللغة كانت سهلة، كأن أحدًا يتحدث معها مباشرة، لا يوبّخها ولا يطلب منها أن تكون مثالية .
في اليوم التالي، قررت أن تجرّب.
كتبت اسمها في أعلى الصفحة.
ثم توقفت.
هل تكتب ربة منزل؟
تذكّرت جملة قرأتها لا تكتبي ما يعتذر عنك، اكتبي ما يعبّر عنك.
فكتبت مهارات تنظيم وإدارة وقت.
شيئًا فشيئًا، بدأت الورقة تمتلئ.
لم تذكر كل وظيفة، ولا كل سنة ضائعة.
ذكرت ما تعلّمته، وما تستطيع فعله الآن.
بعد أيام، طلبت منها قريبتها مساعدة بسيطة.
قالت بخجل لو تقدري ترتّبي لي سيرتي… ما أعرف أكتبها.
جلستا معًا في المطبخ.
القهوة تبرد، والذكريات تخرج واحدة واحدة.
مريم لم تكتب فورًا، بل استمعت.
ثم رتّبت، واختصرت، وغيّرت العناوين.
عندما سلّمتها السيرة، نظرت القريبة إلى الورقة طويلاً، ثم قالت هذه أنا… لكن بشكل أجمل.
بعد أسبوع، جاءت رسالة قصيرة انقبلت للمقابلة.
في تلك اللحظة، فهمت مريم أن الأمر لم يكن مجرد كتابة.
كانت تعطي الناس طريقة أفضل لرؤية أنفسهم.
نشرت منشورًا صغيرًا أساعد في كتابة السير الذاتية.
لم تتوقع الكثير.
لكن الرسائل بدأت تصل.
قصص مختلفة، أوراق بيضاء، وخوف متشابه.
كانت تعمل من بيتها، ساعة أو اثنتين في اليوم.
لا مكتب، لا لافتة، فقط حاسوب وقلب صبور.
وفي كل مرة تُرسل ملفًا جاهزًا، تشعر أن شخصًا ما صار أقرب إلى فرصة جديدة.
أدركت مريم أن السيرة الذاتية ليست ورقة عمل، بل مرآة.
وأنها، دون أن تخطط، وجدت لنفسها عملًا…يرتّب حكايات الآخرين، ويرتّب حياتها معها.