
كانت ليزا باركر تؤمن أن الأشياء التي نصنعها بأيدينا تحمل جزءًا من أرواحنا.
منذ أن كانت في الخامسة عشرة، وجدت نفسها مأخوذة بالكتب الصغيرة التي تُباع بعشرة سنتات، تلك التي كانت تتكدس عند باب المتاجر الريفية وتغريها بغرز جديدة، وصفحات محبّرة، وصور لنساء يبتسمن بفخر فوق أعمال منسوجة بعناية.
ومع مرور السنوات، لم تعد تلك الكتب مجرد هواية… بل أصبحت جزءًا من هوية ليزا، وذاكرة طويلة تعجّ بالدروس التي علمتها الحياة إياها بين خيط وآخر.
كانت علّيتها عالمها السري.
كل رفّ فيها كان يرتّب حياة كاملة من الأنماط: بطانيات أطفال، دمى محشوة، زينة عيد الميلاد، مفارش دانتيل، شالات، أغطية وسائد، وكتب لم يعد أحد يطبعها.
بعض الكتب كانت مهترئة عند الأطراف، عليها بصمة زمن جميل، وبعضها أتى من نساء غريبات تبادلن معها رسائل من ولايات بعيدة.
بالنسبة لليزا، لم تكن تلك الأوراق مجرد تعليمات… بل كانت قصص نساء، جهد أيام، وضحكات أمسيات، ودفء بيوت لم تزرها قط.
مرت السنوات، وكبر أولادها وغادروا البيت، لكنها بقيت في رفقة كتبها.
وفي أحد أيام الشتاء، بينما كانت تلمّ الغبار عن رف قديم، خطرت لها فكرة بدت بسيطة… لكنها غيّرت حياة كثيرات.
قالت لنفسها لماذا أبقي كل هذا لي وحدي ؟
كم من امرأة تتمنى أن تتعلم… فقط لو وجدت من يدلّها؟
وفي الربيع التالي، علّقت ورقة صغيرة على باب بيتها:
مكتبة ليزا للحرف اليدوية – مفتوحة للسيدات من كل الأعمار.
لم تتوقع أن يأتي أحد في الأيام الأولى.
لكنها فوجئت بطرق خفيف على الباب بعد أسبوع.
كانت امرأة شابة، تحمل طفلًا على كتفها وتبدو مرهقة. قالت بصوت خجول: “سمعتِ أن لديك كتبًا… هل يمكنك تعليمي كيفية صنع بطانية صغيرة لابني؟
لا أستطيع شراء واحدة.
ابتسمت ليزا وقالت: “تعالي… ستجدين هنا أكثر مما تبحثين عنه.”
انتشرت الأخبار بسرعة.
جاءت المعلمات، الجارات، الجدّات، وحتى فتيات صغيرات يحلمن بصنع أول غرزة في حياتهن.
أصبح بيت ليزا مكانًا للراحة، للقصص، للبدايات الصغيرة.
كانت تفتح لهم العلّية كما لو أنها تفتح قلبها.
تجلس معهم حول طاولة قديمة، وتريهم كيف تتحول الخيوط إلى دفء، وكيف تتحول الصعوبة إلى إنجاز.
كانت تقول دائمًا: ما فائدة المعرفة إن بقيت حبيسة الأدراج؟
كانت ليزا تمنح الكتب، تعير المجلات، وتصنع نسخًا على نفقتها الخاصة.
لم تكن تنتظر مقابلاً.
يكفيها أن ترى امرأة شابة تبتسم عندما تكمل أول دمية، أو جدة تبكي فرحًا عندما تتذكر غرزًا كانت قد نسيتها منذ زمن.
ومع مرور الوقت، لم تعد المكتبة مجرد مكان للتعلم…
أصبحت شبكة من المحبة بين نساء لم يجمعهن شيء سوى الخيط والإبرة، والرغبة في صنع شيء يدفئ الحياة.
وفي إحدى الأمسيات، عندما كانت ليزا تغلق الأنوار استعدادًا للنوم، نظرت إلى العلّية وابتسمت.
لقد أدركت حينها أن الكتب التي جمعتها طيلة حياتها لم تكن كنزها الحقيقي.
الكنز الحقيقي كان القلوب التي جعلتها تنبض من جديد.








