سارة والحرفة الهادئة

إبرة وسط العاصفة لم تكن سارة يومًا تبحث عن الشهرة أو الأضواء.

 كانت شابة هادئة تعمل في مجال الحملات الاجتماعية في أحد أحياء مانشستر، تكتب التقارير، تراجع الخطط، وتحلم بعالم أفضل.

 كانت تُتقن الاستماع، تفكر قبل أن تتحدث، وتملك تلك النظرة المتأملة في عينيها، كأنها تزن كل كلمة، وتبحث عن الطريقة الأكثر لطفًا لإحداث أثر حقيقي.

 لكنّ العمل في مجال التغيير المجتمعي لم يكن لطيفًا كما كانت تأمل.

 كانت الحملات مليئة بالضجيج، بالمواجهات، بالشعارات الصاخبة التي تذوب في صخب الأخبار.

 في إحدى الأمسيات، عادت سارة من اجتماع مشحون، جلست على كرسيها الخشبي المتآكل في المطبخ الصغير، ووضعت رأسها على الطاولة.

 كان كل شيء يبدو عبثيًا.

 تذكرت حينها شيئًا بسيطًا.

 جدتها كانت تخيط في المساء، وردات صغيرة على مناديل القماش.

كانت تقول لها: “أحيانًا، التغيير لا يحتاج إلى صراخ، بل إلى إبرة صبورة.”

التطريز الأول قررت سارة أن تصنع شيئًا بيديها.

 لم تكن تعرف الكثير عن الخياطة، لكنها جلست مساء يوم أحد، وأخذت قطعة قماش بيضاء، وخيطًا أزرق، وبدأت تطرّز كلمات كانت تؤمن بها: كن اللطف الذي يتمرد على القسوة.

 كانت كل غرزة تطلق في داخلها شيئًا مكبوتًا، شعورًا بالهدوء، بالتواصل، كأنّ كل خيط يربطها بالعالم بطريقة لم تختبرها من قبل.

استغرقت منها الجملة أربع ساعات.

 وعندما انتهت، جلست تنظر إلى عملها.

 لم يكن مثاليًا، لكن كان صادقًا.

 قررت أن تضعه في مظروف، وتعلقه على سور أمام مقر مجلس المدينة.

 لم ترفقه باسم أو شعار.

فقط رسالة صغيرة على بطاقة: إذا صادفتَ هذا، فتذكّر أن اللطف شكلٌ من أشكال المقاومة.

 بداية الحراك الهادئ في الأسبوع التالي، كتبت جملة أخرى.

 ثم ثالثة.

 غرستها على مناديل، أقمشة صغيرة، أو بطاقات كرتونية مخرّمة، وتركتها في المكتبة، على مقعد الحافلة، على طاولة في المستشفى.

كانت تطلق رسائل خياطة كما يُطلق آخرون المنشورات.

 لكنها كانت مختلفة.

 وذات يوم، تلقت رسالة على بريدها الإلكتروني.

 كانت من شابة تُدعى ليزا، وجدت إحدى القطع في قطار متجه إلى لندن.

 كتبت: كنت على وشك ترك عملي، مكتئبة ومنهكة.

 قرأت رسالتك المطرّزة : أنت كافية، كما أنت، بكيت.

 وقررت أن أستمر.

 شكراً لمن صنعتها.

 بكت سارة أيضًا.

 لم يكن هذا فقط تغييرًا، بل تغيير بلطف، بتعاطف، بحب.

 ما بدأ كهواية فردية، أصبح شغفًا مشتركًا.

 سارة بدأت ورشة صغيرة في مكتبة الحي، وسمّتها الحرف من أجل العدالة .

 كانت تدعو الناس لتطريز الرسائل بدلًا من الهتاف، ولخياطة المطالب بدلًا من رفع اللافتات.

لم تكن تحرض، بل تُحفّز.

 كل خميس، كانت الغرفة تمتلئ بوجوه من كل الأعمار: معلمات، أمهات، طلبة، متقاعدون.

 كانوا يجلسون في دائرة، يخيطون، يتحدثون عن العدالة، الاستدامة، المساواة، والتعليم.

 كانت الخيوط توصل بين أفكارهم أكثر من أي منشور على الإنترنت.

 وسرعان ما، تحوّلت المبادرة إلى ما سمّته سارة: حركة بطيئة لكنها عميقة، تعتمد على الحرفة لتغيير العقول، واحدًا بعد الآخر .

 مواجهة العالم الواسع لم يكن الجميع مقتنعًا.

 في أحد المؤتمرات، وقفت سارة أمام جمهور من النشطاء، وقدّم أحدهم اعتراضًا: هل تعتقدين أن التطريز سيغير القوانين؟ .

أجابت بهدوء: القوانين لا تتغير إلا إذا تغيّرت القلوب أولاً.

 ونحن نخيط الرسائل التي تغيّر القلوب.

 بدأت وسائل الإعلام تتحدث عن الحركة.

 ظهرت صور قطع المطرزات على الجسور، على مقاعد الحدائق، في مغلفات البريد التي تصل إلى مكاتب البرلمان.

 لم تكن تطالب بإلغاء شيء، بل بإعادة تخيله بلغة اللطف.

 وصوت المطرزات كان يصل بعمق، لأنه لم يكن صوتًا، بل إحساسًا.

 مشروع الرسائل البرلمانية في عام 2018، نظّمت سارة مشروعًا خاصًا: أرادوا التأثير على مشروع قانون العدالة الاجتماعية.

 فطلبت من المتطوعين أن يخيطوا رسائل شخصية بخط يدهم إلى أعضاء البرلمان، تطريز صغير يُغلف بأناقة، ويوضع داخل ظرف يدوي.

كان أحدهم يقرأ: أنا أم لطفلين، أؤمن أن العالم يمكن أن يكون أرحم، ساعدني أن أشرح لهما كيف .

 وصلت الرسائل، لم تُهمل.

 نواب تحدثوا عنها في البرلمان، واحدٌ منهم قال: لم أتوقف عند بريد إلكتروني هذا الأسبوع، لكن توقفت عند قطعة قماش مطرّزة بشغف.

 بوصلة داخلية كبرت الحركة، وانتشرت حول العالم.

 كانت نساء من الهند يخطن رسائل ضد التمييز، ومجموعة من الشابات في كندا يطرزن مطالب بيئية، وحتى رجال مسنّون في إسبانيا ينظمون أمسيات “خياطة الصمت” للتفكير في العدالة .

 أما سارة، فكانت تتابع من بعيد، لا تبحث عن شهرة.

 كل مساء، تجلس في منزلها الصغير، تطرّز بهدوء جملة جديدة، وتبتسم.

 كانت تعرف أن التغيير لا يحتاج دائمًا إلى صوت عالي، أحيانًا، يحتاج إلى إبرة .

رأي واحد حول “سارة والحرفة الهادئة

  1. أفاتار تهاني الهاجري تهاني الهاجري كتب:

    التأثير الحقيقي لا يجب أن يكون صاخباً كما يعتقدون، بل رقيقاً ومستداماً كقصصك المليئة بالمعاني.

اترك رداً على تهاني الهاجري إلغاء الرد