حكاية بدرية

في أحد أحياء الكويت القديمة في سبعينات القرن الماضي، كانت البيوت متقاربة، والجيران يعرف بعضهم بعضًا كما تعرف الأم أبناءها.

كانت الأزقة تمتلئ برائحة الخبز الطازج، وصوت الأطفال يلعبون قبل أن تغرب الشمس، بينما تجلس النساء في فناء البيت يتبادلن الحديث وأعمال التطريز والخياطة.

في أحد تلك البيوت، كانت بدرية فتاة هادئة بعينين لامعتين وفضول لا ينتهي.

 لم تكن مثل بقية الفتيات اللواتي يكتفين بالمشاهدة؛ كانت تحب أن تتعلم.

 أكثر ما كان يجذبها هو صندوق الخياطة الصغير الذي تملكه والدتها.

كان صندوقًا خشبيًا بسيطًا، لكن بالنسبة لبدرية كان أشبه بصندوق كنز.

داخله بكرات خيوط ملونة، وإبر لامعة، وأزرار بأشكال مختلفة.

كانت والدتها تقول لها مبتسمة “الخيط مثل الكلام يا بدرية إذا عرفتي كيف تستخدمينه، يصنع شيئًا جميلًا.”

في البداية، كانت بدرية تجلس بجوار أمها تراقبها وهي تخيط الثياب.

كانت تشاهد كيف تتحول قطعة القماش المسطحة إلى فستان أو عباءة.

كانت تدهشها هذه المعجزة الصغيرة.

وفي أحد الأيام، أعطتها أمها قطعة قماش قديمة وقالت “جربي.”

أمسكت بدرية الإبرة بخوف، وخيطت أول غرزة في حياتها.

كانت الغرزة غير مستقيمة، والخيط متشابكًا، لكنها شعرت بشيء غريب شعرت بالفخر.

منذ ذلك اليوم، أصبحت الخياطة لعبتها المفضلة.

كانت تجمع بقايا الأقمشة من عند الخياطين في السوق، وتعود بها إلى البيت كأنها عثرت على كنوز.

كانت تقص منها ملابس صغيرة لدمى أخواتها، أو حقائب صغيرة تضع فيها أزرارها وخيوطها.

لم تكن تدري أن تلك اللحظات الصغيرة كانت تصنع مستقبلها.

مع مرور السنوات، أصبحت بدرية ماهرة أكثر.

كانت الجارات يلاحظن ذلك.

وفي أحد الأيام طرقت باب بيتهم إحدى الجارات وقالت لوالدتها “بدرية تخيط؟ ممكن تخيط لي فستان لبنتي؟”ارتبكت بدرية في البداية.

كانت معتادة على الخياطة للمتعة فقط.

لكنها وافقت.

جلست أيامًا تعمل على الفستان.

 كانت تقيس القماش بدقة، وتعيد الغرز إذا لم تعجبها.

كانت تريد أن يكون الفستان جميلًا.

وعندما انتهت، لبسته الطفلة الصغيرة، وركضت في الفناء وهي تضحك.

قالت الأم مبتسمة ” كأنها أميرة.”

في تلك اللحظة شعرت بدرية بشيء لم تشعر به من قبل.

لم تكن الخياطة مجرد هواية كانت طريقة لإسعاد الناس.

بعد ذلك، بدأت الطلبات تأتي أكثر.

مرة عباءة و مرة فستان ومرة مفرش مطرز.

لم يكن بيت بدرية كبيرًا، لكن زاوية صغيرة من الغرفة تحولت مع الوقت إلى ورشة صغيرة.

 وضعت فيها ماكينة خياطة قديمة حصلت عليها بعد أن ادخرت المال طويلًا.

كانت تعمل مساءً بعد أن تنتهي من أعمال البيت.

صوت الماكينة كان يملأ الليل بهدوء، مثل موسيقى خفيفة.

كانت بدرية تقول لنفسها أحيانًا وهي تخيط   أنا لا أصنع ملابس فقط أنا أصنع قصصًا.

فهذا الفستان لطفلة بمناسبة العيد وهذه العباءة لامرأة ستلبسها في مناسبة مهمة وهذا المفرش سيزين بيتًا جديدًا.

مع مرور الوقت، أصبحت بدرية معروفة في الحي.

لم يكن عندها متجر، لكن الناس يعرفون طريق بيتها.

كانت بعض الفتيات الصغيرات يأتين إليها يسألنها أن تعلمهن الخياطة.

لم تكن تبخل بالمعرفة.

كانت تقول لهن دائمًا”كل غرزة تتعلمينها اليوم، يمكن أن تفتح لك بابًا غدًا.”

لم تكن بدرية تفكر يومًا أنها ستصبح محترفة.

هي فقط كانت تفعل ما تحب.

لكن الحياة أحيانًا تكافئ الذين يحبون عملهم بصدق.

فما بدأ كهواية صغيرة في صندوق خشبي، أصبح مع السنوات مهنة تحبها، ومصدر رزق، وحلمًا تحقق بخيوط بسيطة وإبرة صغيرة.

وفي كل مرة كانت بدرية تنتهي من قطعة جديدة، كانت تمرر يدها على القماش وتبتسم.

لأنها تعرف سرًا صغيرًا تعلمته منذ طفولتها أن الأحلام، مثل القماش تبدأ بخيط واحد فقط .

أضف تعليق