خيوط تماضر

في أحد أحياء مدينة الرياض الهادئة، حيث تختلط الأبراج الحديثة ببيوت العائلات القديمة، كانت تماضر تجلس قرب نافذة غرفتها الواسعة في الطابق الثاني من منزلها.

على الطاولة أمامها تناثرت قطع من القماش، بعضها قديم يحمل آثار الزمن، وبعضها جديد بألوان زاهية.

وبين أصابعها كانت إبرة صغيرة تتحرك بخفة، ترسم خيوطًا دقيقة كأنها تكتب قصة.

لم تكن تماضر مجرد هاوية للتطريز.

كانت ترى في الخيط والإبرة لغة كاملة، لغة تستطيع أن تقول بها ما تعجز الكلمات عن قوله.

قبل سنوات قليلة كانت تماضر تعمل مصممة جرافيك في شركة إعلانات في الرياض.

يومها كانت تقضي ساعات طويلة أمام شاشة الكمبيوتر، تصمم شعارات وملصقات لعملاء لا تعرفهم.

كانت تحب التصميم، لكن شيئًا ما في داخلها كان يطلب شيئًا أكثر دفئًا شيئًا ملموسًا.

في إحدى الأمسيات، بينما كانت تنظف خزانة والدتها، وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

فتحته فوجدت بداخله قطع قماش قديمة مطرزة بخيوط ملونة.

قالت لها والدتها مبتسمة “هذه مفارش كانت جدتك تطريزها بيدها.”

جلست تماضر تنظر إلى الغرز الصغيرة.

كانت بسيطة، لكنها مليئة بحياة غريبة.

كل غرزة بدت وكأنها تحمل ذكرى.

في تلك الليلة لم تستطع النوم.

بقيت تفكر في تلك المفارش القديمة.

وفي اليوم التالي اشترت أول مجموعة من خيوط التطريز.

في البداية كانت تجرب بهدوء.

غرزة بعد غرزة.

أخطأت كثيرًا.

فكّت الخيط مرات عديدة.

لكن شيئًا في تلك العملية كان يريح قلبها.

مع الوقت بدأت تماضر تمزج بين ما تعرفه من التصميم الرقمي وبين التطريز اليدوي.

كانت ترسم تصميمًا بسيطًا على الورق، ثم تحوله إلى لوحة من القماش والخيوط.

أول قطعة صنعتها كانت حقيبة قماشية صغيرة.

استخدمت فيها قطعة من قماش قديم وجدته في الصندوق الخشبي.

أضافت عليها تطريزًا مستوحى من الزخارف العربية، مع ألوان حديثة.

عندما خرجت بالحقيبة لأول مرة إلى أحد مقاهي الرياض، لاحظت صديقتها نورة الحقيبة فورًا.

قالت بدهشة جميلة “من أين اشتريتها؟” ابتسمت تماضر وقالت “لم أشترها صنعتها.”

منذ تلك اللحظة بدأت الفكرة تكبر.

أنشأت تماضر حسابًا صغيرًا على الإنترنت، وبدأت تنشر صور أعمالها.

 لم تتوقع الكثير، لكنها فوجئت بعد أسابيع بأن الناس بدأوا يسألونها إن كانت تبيع هذه القطع.

لم تكن القطع مجرد منتجات بالنسبة لها.

كل قطعة كانت قصة.

قطعة قماش من ثوب قديم، غرزة مستوحاة من تطريز فلسطيني، لون من سجادة تركية، فكرة من نقش نجدي قديم.

كانت تماضر تقول دائمًا “القماش يحتفظ بالذاكرة.”

بعد عام واحد فقط تحولت غرفتها الصغيرة إلى ورشة حقيقية.

رفوف مليئة بالخيوط، صناديق قماش، دفاتر تصميم، وأطر تطريز معلقة على الجدران.

لكن أجمل ما حدث لم يكن البيع.

بدأت تماضر تقدم ورشًا صغيرة للفتيات في الرياض.

كانت تجلس معهن حول طاولة طويلة، وتعلمهن أول غرزة.

كانت تقول لهن “التطريز ليس مجرد حرفة إنها طريقة لنهدأ.”

كانت الفتيات يضحكن أحيانًا عندما تتشابك الخيوط، لكن بعد دقائق من الصمت والتركيز، كان شيء ما يتغير في الجو.

الهدوء.

التركيز.

الرضا.

وفي إحدى الأمسيات، عندما انتهت الورشة وغادرت آخر فتاة، جلست تماضر قرب النافذة من جديد.

كانت الرياض مضاءة بأضواء المدينة، والسيارات تمر في الشارع بهدوء.

نظرت إلى قطعة قماش جديدة بين يديها.

ابتسمت.

ثم غرست الإبرة في القماش وبدأت أول غرزة من قصة جديدة.

أضف تعليق