
في الزاوية القديمة من السوق الشعبي، حيث تختلط رائحة الخبز الساخن بصوت الباعة ونداءات الأطفال، كانت تجلس امرأة تُدعى أمينة خلف سلة كبيرة مليئة بالتفاح الأحمر والأخضر.
لم يكن متجرها يشبه بقية المتاجر؛ لا أضواء لامعة، ولا لافتات كبيرة، فقط صندوق خشبي قديم وقطعة قماش بيضاء تضع عليها التفاح بعناية كأنها ترتب جواهر ثمينة.
كانت أمينة تأتي كل صباح قبل الجميع.
تمشي بخطوات بطيئة وهي تحمل سلتها الثقيلة، ثم تجلس في المكان نفسه الذي جلست فيه منذ سنوات طويلة.
كانت تمسك كل تفاحة وتمسحها بطرف منديل صغير حتى تلمع تحت ضوء الشمس، ثم ترتبها في صفوف جميلة.
وكان المارة يلاحظون دائمًا ابتسامتها الهادئة، رغم أن التعب كان واضحًا في عينيها.
في أحد الأيام، توقف طفل صغير أمامها.
كان اسمه سامر، في التاسعة من عمره، يحمل حقيبته المدرسية وينظر إلى التفاح بإعجاب.
قال لها ببراءة:”لماذا تهتمين بالتفاح كثيرًا؟”
ابتسمت أمينة وقالت:”لأن الناس تأكل بأعينها أولًا يا صغيري.”
ضحك سامر وقال:”أمي تقول الشيء نفسه عندما تطبخ.”
أعجبها ذكاؤه، فأعطته تفاحة صغيرة حمراء.
“هذه هدية.”
تردد سامر قليلًا ثم قال:”لكن معي نقود قليلة فقط.”
هزّت رأسها مبتسمة:”ليست كل الأشياء الجميلة تُشترى بالنقود.”
منذ ذلك اليوم، صار سامر يمر عليها كل صباح قبل المدرسة.
أحيانًا يشتري تفاحة، وأحيانًا يجلس معها لدقائق قليلة فقط.
كان يحب سماع قصصها عن السوق القديم، وعن الأيام التي كان الناس فيها يعرفون بعضهم بالاسم، وعن زوجها الراحل الذي كان يبيع التفاح معها منذ زمن بعيد.
ذات صباح ممطر، جاء سامر ولم يجد أمينة في مكانها المعتاد.
كانت البسطة فارغة، والمطر يضرب الأرض بقوة.
شعر الطفل بالقلق، فسأل أحد الباعة القريبين.
قال الرجل:”أمينة مريضة اليوم.
يبدو أن البرد أتعبها.”
عاد سامر إلى البيت حزينًا.
لم يستطع التوقف عن التفكير فيها.
وفي المساء، أخذ حصّالته الصغيرة التي كان يدخر فيها نقوده لشراء لعبة جديدة، وذهب مع والده إلى متجر الفواكه.
اشترى صندوقًا من التفاح الطازج، وطلب من والده أن يساعده.
في صباح اليوم التالي، فوجئت أمينة بوجود سامر أمام باب بيتها الصغير وهو يحمل الصندوق بابتسامة واسعة.
قال بخجل:”أحضرت لك تفاحًا… حتى لا تتعبي.”
وقفت أمينة صامتة للحظة، ثم امتلأت عيناها بالدموع.
لم تكن الدموع بسبب التفاح، بل لأن أحدًا تذكرها، واهتم بها، ورأى تعبها الذي أخفته سنوات طويلة خلف ابتسامتها الهادئة.
قالت بصوت مرتجف:”أنت طيب جدًا يا سامر.”
أجاب الطفل بسرعة:”أنت أيضًا طيبة… وأطيب تفاح في السوق عندك.”
ضحكت أمينة لأول مرة منذ أيام، وشعرت أن قلبها صار أخف من قبل.
بعد أسبوع، عادت إلى السوق.
لكنها هذه المرة وجدت شيئًا مختلفًا.
كان سامر قد صنع لها لافتة صغيرة كتب عليها بخط طفولي غير مرتب:”تفاح أمينة… يُباع بالمحبة.”
علّقها فوق البسطة بنفسه.
بدأ الناس يتوقفون لقراءة اللافتة، ثم يشترون التفاح وهم يبتسمون.
صار الجميع يعرف أمينة، لا كبائعة فقيرة، بل كامرأة تنشر اللطف في السوق الصغير.
وفي كل صباح، كانت تضع تفاحة إضافية جانب السلة.
وعندما يسألها أحدهم عنها، تبتسم وتقول:”هذه لشخص يحتاج يومًا جميلًا.”
ومع مرور الأيام، اكتشف أهل السوق أن التفاح ليس الشيء الوحيد الذي كانت أمينة تبيعه… لقد كانت توزع الدفء والأمل والمحبة في أكياس صغيرة حمراء وخضراء.