
عندما وصلت لبيبة إلى مصر لأول مرة، لم تكن تحمل معها سوى حقيبة صغيرة، وبعض البذور التي احتفظت بها من حديقة والدتها في إحدى القرى التركية المطلة على البحر الأسود، وحلمًا كبيرًا بأن تعيش حياة أقرب إلى الأرض والناس.
كانت لبيبة في الخامسة والخمسين من عمرها، وقد أمضت سنوات طويلة تعمل في تدريس الفنون اليدوية والزراعة المنزلية.
وبعد أن تقاعدت، شعرت أن الوقت قد حان لتبدأ فصلًا جديدًا من حياتها.
وخلال زيارة لإحدى القرى الهادئة على أطراف الفيوم، وقعت في حب المكان من اللحظة الأولى.
كانت الأرض واسعة، والسماء صافية، والنخيل يحيط بالحقول كأنه حارس قديم يحميها منذ مئات السنين.
استأجرت قطعة أرض صغيرة مهجورة كانت مليئة بالأعشاب الجافة والأحجار المتناثرة.
نظر إليها أهل القرية باستغراب.
قال أحدهم:”ماذا ستفعل هذه السيدة الأجنبية هنا؟”
وقال آخر:”لن تبقى أكثر من شهر.”
لكن لبيبة كانت تبتسم فقط.
في كل صباح كانت تستيقظ قبل شروق الشمس، وتحمل أدواتها البسيطة، وتبدأ العمل.
زرعت النعناع والبابونج والريحان والخزامى.
صنعت أحواضًا صغيرة من الطين، واستخدمت الأخشاب القديمة لصنع أسوار جميلة حول النباتات.
وبعد أشهر قليلة بدأت الأرض تتغير.
تحولت البقعة المهجورة إلى حديقة مليئة بالألوان والروائح العطرة.
كان الأطفال يمرون يوميًا ليتفرجوا على النباتات الغريبة التي لم يروها من قبل.
وفي أحد الأيام جاءت طفلة اسمها مريم وسألت:”هل يمكنني مساعدتك؟”
ابتسمت لبيبة وقالت :”بالطبع.
لكن عليك أولًا أن تتعلمي كيف نستمع إلى النبات.”
ضحكت الطفلة، لكنها بقيت معها طوال اليوم.
ومنذ ذلك اليوم بدأت الحكاية الحقيقية.
خصصت لبيبة يومًا أسبوعيًا لتعليم الأطفال الزراعة المنزلية.
كانت تعلمهم كيف يزرعون البذور، وكيف يوفرون المياه، وكيف يحولون بقايا الطعام إلى سماد طبيعي.
ثم بدأت الأمهات يحضرن أيضًا.
اكتشفت النساء أن لديهن رغبة كبيرة في التعلم، لكن الفرص كانت قليلة.
فكرت لبيبة في مشروع جديد.
حولت غرفة طينية صغيرة إلى مركز مجتمعي بسيط.
وضعت فيها طاولة كبيرة وبعض الكراسي الخشبية.
لم يكن المكان فخمًا، لكنه كان مليئًا بالمحبة.
هناك بدأت تعلم النساء
- صناعة الصابون الطبيعي.
- تجفيف الأعشاب الطبية.
- إنتاج الزيوت العطرية.
- صناعة الشموع اليدوية.
- تطريز الأكياس القماشية.
وكانت تقول دائمًا:”المهارة الصغيرة يمكن أن تصبح مصدر رزق كبير.”
خلال عام واحد فقط تغيرت أشياء كثيرة.
أصبحت عشرات النساء يبعن منتجاتهن في الأسواق المحلية.
وبدأت بعض الفتيات الصغيرات يفتحن صفحات على الإنترنت لعرض منتجاتهن.
أما الأطفال فقد أنشأوا حديقة مدرسية صغيرة مستوحاة من حديقة لبيبة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك.
فقد أقنعت لبيبة عددًا من الشباب بتعلم البناء بالطين واستخدام المواد الطبيعية المحلية.
كانوا يجمعون الطين والقش ويصنعون جدرانًا جميلة تساعد على تبريد المنازل في الصيف.
في البداية ظن الناس أن الفكرة غريبة.
لكن عندما شاهدوا النتائج بدأوا يقلدونها.
وبعد سنوات قليلة أصبح للقرية شكل مختلف.
ازدادت المساحات الخضراء.
وانخفضت كمية النفايات بفضل إعادة التدوير.
وظهرت مشروعات صغيرة كثيرة تقودها النساء.
وأصبح الزوار يأتون من قرى أخرى ليتعرفوا على التجربة.
ذات مساء جلست لبيبة تحت شجرة جميز كبيرة في ساحة القرية.
كانت تشاهد الأطفال وهم يركضون بين أحواض الزهور.
ورأت مجموعة من النساء يجهزن منتجاتهن لعرضها في السوق الأسبوعي.
واقترب منها شيخ كبير من أهل القرية.
جلس بجوارها وقال:”عندما جئتِ إلى هنا ظننا أنك ستغادرين سريعًا.”
ضحكت لبيبة وقالت:”وأنا ظننت أنني سأزرع بعض النباتات فقط.”
ابتسم الرجل وقال:”لكن ما زرعته لم يكن نباتات فقط.”
نظرت لبيبة حولها باستغراب.
فأكمل:”لقد زرعتِ الأمل.”
ساد الصمت للحظة.
ثم راحت تنظر إلى الأضواء الصغيرة المتلألئة بين البيوت الطينية التي ساهم أهل القرية في بنائها.
عندها أدركت أن أكبر مشروع أنجزته لم يكن حديقة الأعشاب، ولا مركز التدريب، ولا الورش التي أقامتها.
بل كان إيمان الناس بأنهم قادرون على تغيير حياتهم بأيديهم.
وفي تلك الليلة شعرت لبيبة بدفء عميق في قلبها.
فقد جاءت إلى مصر تبحث عن مكان تعيش فيه بهدوء.
لكنها وجدت أسرة كبيرة، وقرية كاملة أصبحت شريكة لحلمها.
ومنذ ذلك الحين صار أهل المنطقة يطلقون على المكان اسمًا جديدًا:“قرية النور“…
لأن امرأة جاءت ببذور صغيرة، فأنبتت معها مستقبلًا أجمل للجميع.