
في مدينة الزهراء، لم تعد الشوارع كما كانت.
كانت سارة تتذكر جيدًا الطريق المؤدي إلى المدرسة؛ الأشجار التي كانت تلوّح بأغصانها للأطفال في الصباح، وصوت الباعة الذي يملأ المكان حياةً وضحكات.
لكن كل ذلك بدا بعيدًا الآن، كأنه حلم قديم استيقظت منه المدينة على واقع مختلف.
في ذلك الصباح، وقفت سارة فوق قطعة من الركام كانت يومًا جزءًا من منزلها.
نظرت حولها بصمت.
كانت الشمس تشرق كعادتها، لكن الضوء هذه المرة كان ينعكس على الحجارة المكسورة بدلًا من النوافذ.
اقتربت منها أختها الصغيرة مريم وسألت:هل تتذكرين غرفتنا؟
ابتسمت سارة ابتسامة حزينة.
طبعًا أتذكرها.
وأنا أتذكر الستارة الزرقاء.
ضحكت سارة رغم الألم.
وأتذكر كيف كنتِ تختبئين خلفها كلما غضبتِ من أمي.
ضحكت مريم أيضًا، ثم عاد الصمت بينهما.
كان الركام في كل مكان.
في البداية ظنت سارة أن أصعب ما في الأمر هو فقدان البيت.
لكنها اكتشفت لاحقًا أن الأصعب هو أن يعتاد الإنسان رؤية الدمار حتى يصبح جزءًا عاديًا من يومه.
وفي إحدى الليالي، بينما كانت الأسرة تجلس حول مصباح صغير، قالت سارة فجأة: لماذا نبقى ننظر إلى الركام وكأنه نهاية كل شيء؟
رفعت أمها رأسها باستغراب.
ماذا تقصدين؟
أقصد… ماذا لو كان بداية شيء جديد؟
نظرت مريم إلى أختها وكأنها لم تفهم.
بداية؟ هذه الحجارة؟
أشارت سارة إلى الخارج.
نعم.
هذه الحجارة نفسها.
ضحك الجميع برفق، لكن سارة لم تكن تمزح.
ومنذ تلك الليلة بدأت الفكرة.
في صباح اليوم التالي، خرجت سارة ومريم تتجولان بين الأنقاض.
كانتا تجمعان قطعًا صغيرة من الخرسانة والحجارة المتناثرة.
قالت مريم: لو رآنا أحد الآن سيظن أننا نلعب.
أجابت سارة:ربما نحن نلعب فعلًا… لكن مع المستقبل.
كانت الفكرة تبدو مستحيلة.
كيف يمكن لشيء تحطم أن يساعد على البناء من جديد؟
لكن هذا السؤال بالذات هو ما جعل سارة تتمسك بحلمها أكثر.
حين أخبرتا والدتهما بالفكرة، لم تسخر منهما.
جلست الأم تستمع باهتمام.
ثم قالت: إذا كنتما تؤمنان بها، فابدآ.
كانت تلك الكلمات البسيطة أهم من أي شيء آخر.
أما جدهما، فكان رجلًا يحب الأعمال اليدوية منذ شبابه.
حين سمع بالفكرة، ابتسم وقال: إذن سنحتاج إلى بعض الأدوات.
في اليوم التالي كان يحمل مطرقة ومنشارًا وبعض الأخشاب القديمة.
سنصنع القوالب بأنفسنا.
سألت مريم:حقًا؟
ولماذا لا؟
بدأ العمل.
كان الركام يُكسر إلى أجزاء أصغر.
وكانت الأيدي الصغيرة تعمل لساعات طويلة.
جمعوا الرمل، وبعض الطين، والقش، والرماد.
مزجوا كل شيء مع الماء.
كانت العملية بسيطة، لكنها بالنسبة لهم بدت كالسحر.
قالت مريم وهي تنظر إلى الخليط:من الصعب أن أصدق أن هذا سيصبح حجرًا.
قال الجد:كل شيء عظيم يبدأ هكذا… خليطًا من أشياء بسيطة.
مرّت الأيام.
وفي كل يوم كانت المدينة تعيش ظروفًا صعبة.
أحيانًا كانوا يضطرون للانتقال من مكان إلى آخر.
وأحيانًا كان الطعام قليلًا.
وأحيانًا كان التعب أكبر من قدرتهم على الاحتمال.
لكن كلما فكرت سارة بالتوقف، كانت تتذكر سؤالًا واحدًا:”إذا لم نفعل نحن شيئًا، فمن سيفعل؟”
بعد أسبوع كامل، جاء اليوم المنتظر.
فتحوا القالب الخشبي بحذر.
سادت لحظة صمت.
ثم ظهر الحجر.
حجر حقيقي.
أمسكته مريم بيديها وكأنه كنز.
لقد نجحنا!
كانت عيناها تلمعان.
أما سارة فلم تتكلم.
فقط نظرت إلى الحجر طويلًا.
لم تكن ترى قطعة بناء.
كانت ترى رسالة.
في تلك الليلة كتبت سارة على دفترها: “هذا الحجر ليس مجرد حجر.
إنه يقول إن الدمار لا يملك الكلمة الأخيرة.”
بعد أشهر من العمل والتجارب، قررت الأختان المشاركة في مسابقة عالمية اسمها “الأرض”.
لم يكن لديهما مكتب كبير.
ولا مختبر حديث.
ولا إمكانيات ضخمة.
كان لديهما فقط فكرة، وإيمان بها.
عندما أرسلتا المشروع، شعرتا بالفخر.
لكنهما لم تتوقعا أبدًا ما حدث لاحقًا.
رن الهاتف ذات مساء.
أجابت سارة.
وبعد دقائق بقيت صامتة.
سألت الأم بقلق:ماذا حدث؟
نظرت إليها سارة وعيناها ممتلئتان بالدموع.
فزنا.
ماذا؟
فزنا على مستوى الشرق الأوسط.
شهقت مريم.
أما الجد فجلس بصمت، ثم مسح دمعة سقطت من عينه دون أن يشعر.
في تلك الليلة لم يكن أحد يتحدث كثيرًا.
كانوا فقط ينظرون إلى بعضهم البعض.
وكان كل واحد منهم يعرف أن هذا الفوز لم يكن مجرد جائزة.
بل كان اعترافًا بأن الأمل ما زال حيًا.
بعد أيام وقفت سارة تتحدث أمام جمهور كبير.
سألها أحدهم:ما الذي صنع الفرق؟
فكرت قليلًا.
ثم قالت:نحن لم نحاول صناعة حجر فقط.
حاولنا صناعة أمل.
عادت الكلمات لتنتشر بين الناس.
وبدأ كثيرون يسمعون عن مشروع “بناء الأمل”.
لكن أكثر ما أسعد سارة لم يكن الشهرة.
ولا الجائزة.
ولا التصفيق.
بل رسالة وصلت من طفل صغير في مدينة أخرى.
كتب فيها: “عندما رأيت قصتكم فهمت أن الأشياء المكسورة يمكن أن تصبح جميلة مرة أخرى.”
احتفظت سارة بالرسالة قرب سريرها.
وفي كل مرة شعرت بالتعب كانت تقرؤها من جديد.
لأنها كانت تعرف أن مشروعها الحقيقي لم يكن الطوب.
ولم يكن الركام.
ولم يكن حتى الفوز.
كان مشروعها الحقيقي أن تجعل الناس يصدقون أن الحياة تستطيع أن تبدأ من جديد.
حتى من تحت الأنقاض.
وكلما مرّت بجانب حجر صنعته بيديها، كانت تبتسم وتهمس: “من هنا بدأ بناء الأمل.”
مقتبس من قصة حقيقية من غزة
من ركام الحرب إلى بناء الأمل.. شقيقتان من غزة تتأهلان إلى نهائيات جائزة عالمية.