الأستاذة فريال  و أزهار الصبر

كانت الأستاذة فريال معروفة بين طالباتها بحبها للأعمال اليدوية وإيمانها بأن كل قطعة قماش تحمل قصة تنتظر من يكتشفها.

وفي إحدى الأمسيات الهادئة، جلست في غرفة الخياطة الصغيرة التي أعدتها في منزلها، تتأمل قطعة قماش وردية بسيطة لا تبدو مختلفة عن عشرات القطع الأخرى الموجودة على رفوفها.

أمسكت القماش بين يديها وقالت مبتسمة: “كم يشبه هذا القماش أحلامنا الصغيرة، يبدو عادياً في البداية، لكنه قد يصبح شيئاً جميلاً إذا منحناه الوقت والاهتمام.”

في اليوم التالي، اجتمعت مجموعة من الفتيات في ورشة تعليمية تقيمها فريال.

 وضعت قطعة القماش على الطاولة وطلبت منهن أن ينظرن إليها جيداً.

سألت إحداهن: “أستاذة فريال، ماذا سنصنع من هذه القطعة البسيطة؟”

ابتسمت فريال وقالت:” سنصنع حديقة من الأزهار، لكن ليس بالتراب والماء، بل بالإبرة والخيط.”

بدأت ترسم شبكة من المربعات الصغيرة على القماش.

كانت الخطوط خفيفة بالكاد تُرى.

تعجبت الفتيات من كثرة القياسات والعلامات.

قالت إحداهن :”يبدو الأمر متعباً جداً!”

فأجابتها فريال:” كل عمل جميل يبدأ بخطوات صغيرة ودقيقة. لا تستعجلي النتيجة.”

بدأت الفتيات يجمعن أطراف القماش بغرز صغيرة كما شرحت لهن المعلمة.

في البداية بدت العملية بطيئة، لكن شيئاً فشيئاً بدأت أول زهرة تظهر على سطح القماش.

اتسعت أعين الطالبات دهشة.

قالت إحداهن:” لم أتوقع أن تتحول الغرز إلى زهرة حقيقية.”

ضحكت فريال وقالت:” وهكذا هي الحياة أيضاً.

أحياناً نظن أن جهودنا الصغيرة لا قيمة لها، ثم نكتشف أنها صنعت شيئاً رائعاً.”

واصل الجميع العمل.

زهرة بعد زهرة، امتلأت قطعة القماش بأشكال جميلة تشبه حديقة مزهرة.

ثم أضافت كل طالبة خرزة لؤلؤية في قلب الزهرة، فازدادت القطعة جمالاً ورقياً.

لكن بعض الفتيات بدأن يشعرن بالملل من تكرار الخطوات نفسها.

عندها توقفت فريال قليلاً وقالت :”هل تعلمن ما الذي يجعل هذه الأزهار جميلة؟”

أجبن:”الألوان؟”

قالت:”لا.”

“اللآلئ؟”

قالت:”لا.”

ثم أكملت:”السر الحقيقي هو الصبر.

كل زهرة احتاجت عدة غرز صغيرة، ولو تركنا واحدة منها لما اكتمل الشكل.”

ساد الصمت لحظة، ثم عادت الفتيات إلى العمل بحماس جديد.

بعد ساعات من التركيز والجهد، انتهين من اللوحة القماشية.

كانت الأزهار الوردية تملأ السطح كله، وكأنها حديقة صغيرة نبتت بين أيديهن.

رفعت فريال القطعة أمام الجميع وقالت:” انظرن جيداً.

هذا العمل لم يُصنع بمهارة شخص واحد، بل بصبر مجموعة كاملة.”

في نهاية الورشة، طلبت من كل طالبة أن تكتب درساً تعلمته.

كتبت إحداهن :”تعلمت أن الأشياء الجميلة تحتاج وقتاً.”

وكتبت أخرى :”تعلمت أن الخطوات الصغيرة تصنع فرقاً كبيراً.”

أما فريال فكتبت في دفترها :”كما تتفتح الأزهار من بضع غرز متواضعة، تتفتح الأحلام أيضاً من محاولات صغيرة لا يراها أحد.”

وعندما غادرت الطالبات، بقيت تنظر إلى اللوحة المزخرفة بالأزهار، وهي تشعر بالسعادة.

لم تكن فخورة بالقطعة الجميلة فقط، بل بالدرس الذي حملته تلك الأزهار: أن الصبر والإتقان قادران على تحويل أبسط الأشياء إلى أعمال فنية لا تُنسى.

أضف تعليق