
في أحد الأرياف الهادئة شمال تونس، حيث تمتد الحقول الخضراء حتى تلامس الأفق، كانت جيهان تبدأ يومها قبل شروق الشمس.
لم تكن ترى نفسها مجرد مهندسة زراعية، بل كانت تؤمن أن الأرض كائن حي يحتاج إلى من يفهمه ويعتني به.
كانت تقول دائماً: “الأرض لا تمنحنا الغذاء فقط، بل تعلمنا كيف نحافظ على الحياة.”
ورثت جيهان قطعة أرض صغيرة عن جدها، كانت مزروعة بالطماطم منذ عشرات السنين.
في البداية، ظنت أن نجاحها سيقاس بعدد الصناديق التي تجمعها في موسم الحصاد، لكنها سرعان ما اكتشفت أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد امتلاء الصناديق.
ففي كل موسم كانت ترى جزءاً من المحصول يفيض عن حاجة السوق، وتنخفض الأسعار حتى يصبح بيع الطماطم الطازجة بالكاد يغطي تكاليف الزراعة.
وكانت تشعر بالحزن وهي ترى ثماراً ناضجة، استهلكت الماء والشمس وجهد المزارعين، تفسد لأنها لم تجد مشترياً.
جلست ذات مساء تتأمل صفوف الطماطم الحمراء، وقالت في نفسها: “لا يمكن أن تضيع هذه النعمة… لا بد أن تمنحها الأرض فرصة ثانية.”
ومن هنا بدأت قصة مختلفة.
لم تبحث جيهان عن حلول معقدة، بل عادت إلى ذاكرة جدتها التي كانت تجفف الطماطم تحت شمس الصيف لتستعملها في الشتاء.
أخذت تلك الفكرة القديمة، وأضافت إليها علمها الحديث في الزراعة والاستدامة، لتصنع نموذجاً جديداً يجمع بين التراث والابتكار.
خصصت جزءاً من المزرعة لتجفيف الطماطم بطريقة صحية، مستخدمة رفوفاً مرتفعة تسمح بمرور الهواء، وأغطية شفافة تحمي الثمار من الغبار والحشرات مع الاستفادة من حرارة الشمس.
لم تكن تحتاج إلى أفران تستهلك الطاقة، فقد كانت الشمس التونسية شريكاً دائماً في العمل.
لكن جيهان لم تتوقف عند ذلك.
فالطماطم الأكثر نضجاً تحولت إلى صلصة طبيعية، تُطهى بهدوء مع الأعشاب العطرية المزروعة في المزرعة نفسها؛ كالريحان وإكليل الجبل والزعتر.
أما الثمار العصيرية فكانت تتحول إلى عصير طماطم طازج يُعبأ في زجاجات قابلة لإعادة الاستخدام، بينما كانت الطماطم المجففة تحفظ في عبوات زجاجية مع زيت الزيتون البكر والأعشاب المحلية، لتصبح منتجاً يحمل رائحة الأرض التونسية في كل قطعة.
شيئاً فشيئاً، أدركت جيهان أن الاستدامة ليست إعادة تدوير المنتجات فقط، بل إعادة التفكير في كل خطوة داخل المزرعة.
فأنشأت نظاماً لجمع مياه الأمطار في خزانات كبيرة تستخدمها لري الأشجار.
واستخدمت الري بالتنقيط لتقليل استهلاك المياه.
أما بقايا الطماطم والسيقان والأوراق، فلم تعد تُلقى بعيداً، بل تحولت إلى سماد عضوي يعيد خصوبة التربة ويغذي المحاصيل الجديدة.
حتى صناديق التعبئة كانت تُصنع من مواد قابلة لإعادة الاستخدام، بينما شجعت زوارها على إحضار عبواتهم الزجاجية لإعادة تعبئتها مقابل خصم بسيط، لتقليل النفايات البلاستيكية.
ومع مرور السنوات، أصبحت المزرعة أشبه بمدرسة مفتوحة للطبيعة.
وعند مدخل المزرعة، افتتحت جيهان مركزاً صغيراً للبيع المباشر.
لم يكن مجرد متجر، بل مساحة تحكي قصة كل منتج.
على الرفوف اصطفت عبوات الصلصة، وزجاجات العصير، وأكياس الطماطم المجففة، وزيت الزيتون، والأعشاب العطرية، والعسل المحلي، والمربيات الموسمية.
وكانت كل عبوة تحمل بطاقة صغيرة كتب عليها: “صُنعت بمحبة… دون هدر.”
وأمام المركز وضعت طاولة خشبية تقدم عليها تذوقاً مجانياً للزوار، ليكتشفوا كيف يمكن لثمرة واحدة أن تتحول إلى منتجات متعددة دون أن يُهدر منها شيء.
لكن حلم جيهان كان أكبر من البيع.
كانت تؤمن أن الاستدامة تنتشر بالمعرفة أكثر من انتشارها بالمنتجات.
لذلك خصصت ركناً واسعاً من المزرعة لإنشاء مشتل زراعي.
امتلأ المشتل بشتلات الطماطم، والفلفل، والخيار، والخس، والريحان، والنعناع، والخزامى، وأشجار الزيتون والرمان والتين والحمضيات.
وكان الزوار، وخاصة الأطفال، يأتون لاختيار أول نبتة يزرعونها بأيديهم.
كانت جيهان تستقبلهم بابتسامتها المعهودة، ثم تقول: “كل شتلة تغادر هذا المكان تحمل وعداً بحياة جديدة.”
وأصبحت تنظم ورشاً أسبوعية للعائلات، تعلمهم فيها إعداد السماد العضوي في المنزل، وزراعة الخضروات في الشرفات، والحفاظ على المياه، والاستفادة من فائض المحاصيل، وكيف يمكن تحويل المنتجات الزراعية إلى مصدر دخل إضافي.
وفي موسم الحصاد، كانت المزرعة تمتلئ بالمتطوعين والطلاب والباحثين ومحبي الزراعة.
الجميع يعمل معاً، يجمعون الطماطم، ويغسلونها، ويقطعونها، وينشرونها تحت الشمس، بينما تملأ المكان رائحة الأعشاب وصوت الضحكات.
ولم تعد المزرعة مجرد مشروع خاص.
بل أصبحت نموذجاً اقتصادياً واجتماعياً يدعم نساء القرية، حيث وفرت جيهان فرص عمل موسمية في تصنيع المنتجات وتجفيف الطماطم والتعبئة والتغليف، كما اشترت المحاصيل الفائضة من المزارعين المجاورين، لتحميهم من خسائر انخفاض الأسعار.
وهكذا استفاد الجميع؛ المزارع، والعائلة، والمستهلك، والبيئة.
وفي أحد الأيام، سألتها طفلة صغيرة كانت تحمل شتلة ريحان: “ما سر نجاح مزرعتك؟” ابتسمت جيهان، ونظرت إلى الحقول التي تلونت بالأحمر والأخضر، ثم أجابت بهدوء: “الاستدامة لا تعني أن نزرع أكثر… بل أن نهدر أقل، ونشارك أكثر، ونحترم ما تمنحه لنا الأرض.”
ومع غروب الشمس، كانت أشعتها الذهبية تنعكس على صفوف الطماطم المجففة، وكأنها تروي حكاية مزرعة لم تكتفِ بإنتاج الثمار، بل صنعت من كل موسم فرصة للحفاظ على البيئة، ودعم المجتمع، وإلهام كل من يؤمن بأن الزراعة ليست مهنة فحسب، بل رسالة تنمو مع كل بذرة تُزرع بمحبة.