نصائح من قصة لبيبة

يمكن استخلاص العديد من النصائح والدروس العملية من قصة لبيبة وتجربتها في تحويل قطعة أرض مهجورة إلى مشروع مجتمعي ناجح:

  • ابدأ بما تملك لا بما تتمنى

لم تنتظر لبيبة رأس مال كبيرًا أو معدات متطورة، بل بدأت ببذور بسيطة وأدوات متواضعة.

الدرس: المشاريع الناجحة غالبًا تبدأ بخطوة صغيرة، ثم تنمو مع الوقت.

  • المعرفة أثمن من المال

أكبر تأثير أحدثته لبيبة لم يكن من خلال بيع المنتجات، بل من خلال تعليم الآخرين.

الدرس: عندما تعلم شخصًا مهارة، فإنك تمنحه فرصة للاستقلال وتحسين حياته.

  • شارك النجاح مع المجتمع

لم تحتفظ لبيبة بأسرار العمل لنفسها، بل فتحت أبوابها للأطفال والنساء والشباب.

الدرس: المشاريع التي تفيد المجتمع تدوم أكثر من المشاريع التي تبحث عن الربح فقط.

  • استثمر في النساء

عندما تعلمت النساء صناعة الصابون والأعشاب والتطريز، تحولت المهارات إلى مصادر دخل حقيقية.

الدرس: تمكين النساء اقتصاديًا ينعكس إيجابًا على الأسرة والمجتمع بأكمله.

  • البيئة يمكن أن تكون مصدر رزق

اعتمدت لبيبة على الأعشاب والزراعة الطبيعية وإعادة التدوير.

الدرس: حماية البيئة ليست مجرد عمل خيري، بل يمكن أن تكون أساسًا لمشروعات مربحة ومستدامة.

  • الصبر يصنع المعجزات

في البداية شكك الناس في نجاحها، لكنها واصلت العمل يومًا بعد يوم.

الدرس: النتائج الكبيرة تحتاج إلى وقت، والثبات أهم من الحماس المؤقت.

  • التعليم العملي أفضل من الكلام

كانت لبيبة تعمل بيديها أمام المتدربين، فيتعلمون بالمشاهدة والتجربة.

الدرس: الناس يتعلمون مما يرونه أكثر مما يسمعونه.

  • حول المشكلات إلى فرص

رأت أرضًا مهجورة فحولتها إلى حديقة ومنطقة تدريب.

الدرس: النجاح يبدأ غالبًا من رؤية الإمكانات التي لا يراها الآخرون.

  • ابنِ مجتمعًا لا مشروعًا فقط

لم تكن الحديقة هي الإنجاز الحقيقي، بل العلاقات التي نشأت بين الناس.

الدرس: المشروع القوي هو الذي يجمع الناس حول هدف مشترك.

  • انقل المهارة للأجيال الجديدة

خصصت لبيبة وقتًا للأطفال، لأنهم مستقبل القرية.

الدرس: الاستثمار في تعليم الأطفال يضمن استمرار أي فكرة أو مشروع لسنوات طويلة.

  • استخدم الموارد المحلية

اعتمدت على الطين والنباتات والخامات الموجودة في المنطقة.

الدرس: كل منطقة تمتلك موارد يمكن تحويلها إلى فرص عمل إذا أحسن استغلالها.

  • النجاح الحقيقي يقاس بالأثر

لم تكن لبيبة الأغنى في القرية، لكنها كانت الأكثر تأثيرًا.

الدرس: قيمة الإنسان لا تقاس بما يملكه، بل بما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين.

لبيبة وقرية النور

عندما وصلت لبيبة إلى مصر لأول مرة، لم تكن تحمل معها سوى حقيبة صغيرة، وبعض البذور التي احتفظت بها من حديقة والدتها في إحدى القرى التركية المطلة على البحر الأسود، وحلمًا كبيرًا بأن تعيش حياة أقرب إلى الأرض والناس.

كانت لبيبة في الخامسة والخمسين من عمرها، وقد أمضت سنوات طويلة تعمل في تدريس الفنون اليدوية والزراعة المنزلية.

وبعد أن تقاعدت، شعرت أن الوقت قد حان لتبدأ فصلًا جديدًا من حياتها.

وخلال زيارة لإحدى القرى الهادئة على أطراف الفيوم، وقعت في حب المكان من اللحظة الأولى.

كانت الأرض واسعة، والسماء صافية، والنخيل يحيط بالحقول كأنه حارس قديم يحميها منذ مئات السنين.

استأجرت قطعة أرض صغيرة مهجورة كانت مليئة بالأعشاب الجافة والأحجار المتناثرة.

نظر إليها أهل القرية باستغراب.

قال أحدهم:”ماذا ستفعل هذه السيدة الأجنبية هنا؟”

وقال آخر:”لن تبقى أكثر من شهر.”

لكن لبيبة كانت تبتسم فقط.

في كل صباح كانت تستيقظ قبل شروق الشمس، وتحمل أدواتها البسيطة، وتبدأ العمل.

زرعت النعناع والبابونج والريحان والخزامى.

صنعت أحواضًا صغيرة من الطين، واستخدمت الأخشاب القديمة لصنع أسوار جميلة حول النباتات.

وبعد أشهر قليلة بدأت الأرض تتغير.

تحولت البقعة المهجورة إلى حديقة مليئة بالألوان والروائح العطرة.

كان الأطفال يمرون يوميًا ليتفرجوا على النباتات الغريبة التي لم يروها من قبل.

وفي أحد الأيام جاءت طفلة اسمها مريم وسألت:”هل يمكنني مساعدتك؟”

ابتسمت لبيبة وقالت :”بالطبع.

لكن عليك أولًا أن تتعلمي كيف نستمع إلى النبات.”

ضحكت الطفلة، لكنها بقيت معها طوال اليوم.

ومنذ ذلك اليوم بدأت الحكاية الحقيقية.

خصصت لبيبة يومًا أسبوعيًا لتعليم الأطفال الزراعة المنزلية.

كانت تعلمهم كيف يزرعون البذور، وكيف يوفرون المياه، وكيف يحولون بقايا الطعام إلى سماد طبيعي.

ثم بدأت الأمهات يحضرن أيضًا.

اكتشفت النساء أن لديهن رغبة كبيرة في التعلم، لكن الفرص كانت قليلة.

فكرت لبيبة في مشروع جديد.

حولت غرفة طينية صغيرة إلى مركز مجتمعي بسيط.

وضعت فيها طاولة كبيرة وبعض الكراسي الخشبية.

لم يكن المكان فخمًا، لكنه كان مليئًا بالمحبة.

هناك بدأت تعلم النساء

  • صناعة الصابون الطبيعي.
  • تجفيف الأعشاب الطبية.
  • إنتاج الزيوت العطرية.
  • صناعة الشموع اليدوية.
  • تطريز الأكياس القماشية.

وكانت تقول دائمًا:”المهارة الصغيرة يمكن أن تصبح مصدر رزق كبير.”

خلال عام واحد فقط تغيرت أشياء كثيرة.

أصبحت عشرات النساء يبعن منتجاتهن في الأسواق المحلية.

وبدأت بعض الفتيات الصغيرات يفتحن صفحات على الإنترنت لعرض منتجاتهن.

أما الأطفال فقد أنشأوا حديقة مدرسية صغيرة مستوحاة من حديقة لبيبة.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك.

فقد أقنعت لبيبة عددًا من الشباب بتعلم البناء بالطين واستخدام المواد الطبيعية المحلية.

كانوا يجمعون الطين والقش ويصنعون جدرانًا جميلة تساعد على تبريد المنازل في الصيف.

في البداية ظن الناس أن الفكرة غريبة.

لكن عندما شاهدوا النتائج بدأوا يقلدونها.

وبعد سنوات قليلة أصبح للقرية شكل مختلف.

ازدادت المساحات الخضراء.

وانخفضت كمية النفايات بفضل إعادة التدوير.

وظهرت مشروعات صغيرة كثيرة تقودها النساء.

وأصبح الزوار يأتون من قرى أخرى ليتعرفوا على التجربة.

ذات مساء جلست لبيبة تحت شجرة جميز كبيرة في ساحة القرية.

كانت تشاهد الأطفال وهم يركضون بين أحواض الزهور.

ورأت مجموعة من النساء يجهزن منتجاتهن لعرضها في السوق الأسبوعي.

واقترب منها شيخ كبير من أهل القرية.

جلس بجوارها وقال:”عندما جئتِ إلى هنا ظننا أنك ستغادرين سريعًا.”

ضحكت لبيبة وقالت:”وأنا ظننت أنني سأزرع بعض النباتات فقط.”

ابتسم الرجل وقال:”لكن ما زرعته لم يكن نباتات فقط.”

نظرت لبيبة حولها باستغراب.

فأكمل:”لقد زرعتِ الأمل.”

ساد الصمت للحظة.

ثم راحت تنظر إلى الأضواء الصغيرة المتلألئة بين البيوت الطينية التي ساهم أهل القرية في بنائها.

عندها أدركت أن أكبر مشروع أنجزته لم يكن حديقة الأعشاب، ولا مركز التدريب، ولا الورش التي أقامتها.

بل كان إيمان الناس بأنهم قادرون على تغيير حياتهم بأيديهم.

وفي تلك الليلة شعرت لبيبة بدفء عميق في قلبها.

فقد جاءت إلى مصر تبحث عن مكان تعيش فيه بهدوء.

لكنها وجدت أسرة كبيرة، وقرية كاملة أصبحت شريكة لحلمها.

ومنذ ذلك الحين صار أهل المنطقة يطلقون على المكان اسمًا جديدًا:“قرية النور“…

لأن امرأة جاءت ببذور صغيرة، فأنبتت معها مستقبلًا أجمل للجميع.

المفرش الذي أعاد العائلة إلى الطاولة

لم يكن المفرش جديدًا.

كان مطويًا بعناية في أسفل الدرج، بين مفارش نادرة الاستخدام، تفوح منه رائحة خفيفة تشبه خليط النعناع والصابون القديم.

مدّت أمينة يدها نحوه في صباح يوم جمعة هادئ، وكأنها لا تُخرج قطعة قماش، بل ذكرى مؤجلة.

تذكّرت أمها فورًا.

كانت أمها تؤمن أن المائدة لا تُفرش من أجل الضيوف فقط، بل من أجل أهل البيت أولًا.

لم تكن الوجبة تبدأ قبل أن يُفرد المفرش، وتُرتّب الأطباق، وتُطوى المناديل بعناية.

حتى في الأيام العادية، كان للمائدة طقسها الخاص، وكأن ترتيبها يقول نحن نستحق هذا الاهتمام.

في بيت طفولتها، تعلّمت أمينة أن المفرش ليس مجرد قماش، بل قاعدة لكل شيء.

لون المفرش يحدد مزاج الجلسة، ونوعه يقول الكثير عن المناسبة
الأبيض للأيام الهادئة، الملوّن للأفراح الصغيرة، والمطرّز للأيام التي تريد فيها الأم أن تشعر بأن البيت في أبهى حالاته.

مرت السنوات، وكبر الأبناء.

تغيّر إيقاع الحياة.

صار الطعام يُؤكل على عجل، كل واحد أمام هاتفه، أو واقفًا في المطبخ.

اختفت المناديل القماشية، وحلّت محلها مناديل ورقية بلا روح.

لم يعد هناك وقت لترتيب الطاولة، ولا صبر للتفاصيل.

كانت أمينة تعرف ذلك، لكنها لم تكن راضية عنه.
كانت تشعر أن شيئًا ما ينقص البيت، دون أن تعرف اسمه.

في ذلك الصباح، قررت أن تتباطأ.

لم يكن القرار كبيرًا، ولا ثوريًا.

مجرد فكرة بسيطة سأفرش المائدة اليوم.

اختارت المفرش الأبيض، لأنه يفتح المكان ويمنحه ضوءًا، كما كانت تقول أمها.

وضعت الأطباق بتناسق، لا مثاليًا، لكن بحب.

أحضرت المناديل، وطيّتها طيّة بسيطة تعلمتها قديمًا.

وأشعلت شمعة صغيرة، كانت قد زيّنتها بنفسها ذات يوم بزخرفة خفيفة.

لم تكن الشمعة للزينة فقط، بل لتبطئ اللحظة.

لم يكن هناك ضيوف.

لم تكن هناك مناسبة.

كان فقط… العائلة.

دخل الابن الأكبر أولًا، ثم توقّف.

نظر إلى الطاولة، وقال مبتسمًا المائدة تشبه مائدة جدّتي.

لم تكن الجملة عابرة.

ضحكت أمينة، وشعرت بشيء دافئ يتمدّد في صدرها، كأنها أعادت وصل خيط قديم انقطع دون أن تنتبه.

جلسوا جميعًا.

لم يخرج أحد هاتفه فورًا.

تحدّثوا أكثر.

أكلوا ببطء.

ضحكوا على أشياء صغيرة.

حتى الطعام بدا ألذّ، مع أنه نفسه الذي يُطهى كل أسبوع.

في تلك اللحظة، فهمت أمينة شيئًا بسيطًا وعميقًا أن تنسيق المائدة ليس استعراضًا، بل مهارة حياتية صغيرة تصنع فرقًا كبيرًا.

المفرش ليس زينة، بل دعوة غير معلنة للحضور.

المناديل ليست تفصيلًا زائدًا، بل رسالة اهتمام.

والشمعة ليست رفاهية، بل إشارة لأن اللحظة تستحق أن تُعاش ببطء.

منذ ذلك اليوم، لم تعد المائدة مجرد مكان للأكل.

صارت مساحة لقاء.

وصار تنسيقها فعل حب يومي، تعبيرًا صامتًا عن العناية، ومهارة تعلمتها أمينة من أمها، ثم أعادت اكتشافها بنفسها.

أدركت أن أجمل الموائد ليست الأغلى، بل تلك التي تُفرش بنية صادقة أن يجلس الناس معًا… فعلًا.

البيوت التي كانت تعرف أسماء الأشياء

لم تكن البيوت القديمة أجمل بالضرورة، لكنها كانت أصدق.

لم تُبنَ على فكرة الاستعراض، بل على فكرة الاكتفاء.

 كل غرفة كانت تعرف وظيفتها، وكل قطعة فيها كانت تعرف لماذا وُجدت.

لم يكن هناك فائض، ولا استعجال في الاستبدال.

إذا تعب الشيء، أُصلح.

 وإذا بهت لونه، أُعيد إليه بعض الحياة باليد.

العمل اليدوي لم يكن هواية مسائية، بل جزءًا من نظام البيت الاجتماعي.

النساء لم يكنّ “يمارسن الحرفة”، بل يعشنها.

الطاولة التي تُفرد عليها الأقمشة نهارًا، تُستخدم مساءً لتحضير العشاء.

نفس المكان، نفس الضوء، لكن اليد تغيّر مهمتها بهدوء.

في ذلك السياق، لم تكن العلبة مجرد حاوية.

كانت تُصنَع، تُدهَن، وتُزيَّن لأنها سترافق البيت سنوات.

تُزال عنها آثار الزمن بورق الصنفرة، لا لإخفائه، بل لتخفيف حدّته.

 يوضع عليها طلاء بسيط، ألوان معروفة: الأبيض، الأحمر القرمزي، الأزرق الفاتح.

ألوان لا تصرخ، لكنها تبقى.

قصاصات الورق، المربعات الصغيرة، الزخارف البسيطة… كلها لم تكن بحثًا عن الجمال بحد ذاته، بل عن النظام.

 ترتيب الأشياء كان جزءًا من ترتيب الحياة.

 حين يُقسَّم الغطاء إلى مربعات، وحين تُلصق كل قطعة في مكانها، كان ذلك تدريبًا غير معلن على الصبر، وعلى قبول الاختلاف داخل الوحدة.

الدفاتر، الصناديق، حوامل الزجاجات، وحتى الكراسي، لم تُترك بلا أثر إنساني.

 لم يكن هناك فصل حاد بين ما هو عملي وما هو جميل.

الكرسي يُدهَن بلون هادئ، وتُضاف إليه لمسة صغيرة، لا لتلفت النظر، بل لتقول: هذا الكرسي يخص هذا البيت، وهذه اليد.

في تلك البيوت، لم تكن الأشياء تُستبدل لأنها خرجت عن الموضة، بل لأنها لم تعد تؤدي دورها.

ومع ذلك، كان هناك دائمًا ميل إلى الإصلاح قبل الرمي.

إلى الإضافة قبل الإلغاء.

إلى أن نمنح الشيء فرصة أخرى.

اليوم، حين ننظر إلى تلك القطع، قد نراها بسيطة أو “قديمة”.

لكن بساطتها كانت انعكاسًا لعلاقة مختلفة مع الوقت.

لم يكن هناك استعجال في الإنجاز، ولا ضغط لأن يكون كل شيء مثاليًا.

المهم أن يكون مستخدمًا، مأهولًا، مفهومًا.

العمل اليدوي في البيوت القديمة لم يكن حنينًا، بل ضرورة اجتماعية.

كان لغة مشتركة بين أفراد الأسرة، وجسرًا بين الأجيال.

تُعلِّم فيه الأم ابنتها كيف تمسك الفرشاة، لا لتزيّن فقط، بل لتفهم أن ما نصنعه بأيدينا يحمل شيئًا منا، ويبقى.

ربما لهذا السبب، ما زالت تلك الأشياء قادرة على الكلام.

لا لأنها جميلة، بل لأنها صُنعت في زمنٍ كانت فيه اليد جزءًا من معنى البيت.

مشروع هيام من لبنان

في أحد أحياء مدينة صيدا الساحلية في جنوب لبنان، كانت هيام تجلس قرب نافذتها الصغيرة تتأمل المطر وهو ينهمر على زجاج البيت القديم.

كانت الحياة قد تغيرت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت المصاريف أكبر من قدرة الأسرة على الاحتمال.

هيام، أم لطفلين، لم تكن تبحث عن الثراء.

كانت فقط تريد أن تشعر بأنها قادرة على صنع شيء جميل بيديها، شيء يمنحها بعض الدخل والكثير من الأمل.

في أحد الأيام، وجدت في صندوق قديم بعض دبابيس الأمان البيضاء.

تذكرت مجلة قديمة كانت تحتفظ بها والدتها، تحتوي على مشروع لقلادة اسمها “White Princess Necklace”.

شدها الاسم قبل التصميم.

قالت لنفسها: إذا كانت أميرة، فلماذا لا أشعر أنا أيضًا بأنني أستطيع صنع شيء ملكي؟

اشترت قليلًا من الخرز الأبيض من محل صغير في السوق الشعبي.

لم تكن الكمية كبيرة، لكنها كانت كافية للمحاولة الأولى.

جلست مساءً بعد نوم أطفالها، وبدأت ترتب الخرز على دبابيس الأمان.

في البداية أخطأت كثيرًا، ثم أعادت العمل مرة بعد أخرى.

كل دبوس كان يعلمها الصبر.

كل خرزة كانت تهمس لها:”الأشياء الجميلة تُبنى واحدة تلو الأخرى.”

بعد ساعات من التركيز، انتهت من أول قلادة.

حين رفعتها أمام الضوء، انعكس اللون الأبيض كأنه لؤلؤ حقيقي.

شعرت هيام بشيء لم تشعر به منذ زمن: الفخر.

ارتدت القلادة في زيارة عائلية، وسألتها شقيقتها بدهشة: “من أين اشتريتها؟” ابتسمت هيام وقالت:”صنعتها بنفسي.”

بعد أيام طلبت منها صديقتها واحدة مشابهة.

ثم جاءت طلبات أخرى.

لم تكن الطلبات كثيرة في البداية، لكنها كانت كافية لتخبرها أن ما تصنعه له قيمة.

أنشأت صفحة صغيرة على وسائل التواصل الاجتماعي باسم:”لؤلؤة هيام”.

كانت تنشر صورًا لقلاداتها تحت ضوء الشمس قرب نافذة المطبخ نفسها التي شهدت أول محاولة.

تعلمت لاحقًا:

  • التصوير البسيط.
  • تسعير المنتجات.
  • اختيار الألوان.
  • التعامل مع الزبائن.

وبعد أشهر، أصبحت تصنع:

  • قلادات للأعراس.
  • أساور للهدايا.
  • أطقم خاصة للمناسبات.

لكنها كانت دائمًا تحتفظ بأول قلادة صنعتها.

كلما شعرت بالتعب، أمسكت بها وتذكرت تلك الليلة الهادئة، عندما بدأت الفكرة بدبوس أمان واحد فقط.

كانت تقول لطالباتها في الورش المنزلية:”لا تحتقرن الأدوات البسيطة.

أحيانًا يبدأ المشروع الكبير بدبوس أمان، وخرزة، وفكرة تؤمنين بها.”

ومع مرور الوقت، لم تعد هيام تبيع الإكسسوارات فقط، بل أصبحت تعلّم نساء أخريات كيف يبدأن من المنزل.

وهكذا تحولت “قلادة الأميرة البيضاء” إلى أكثر من قطعة زينة.

أصبحت رمزًا لبداية جديدة.

بداية أثبتت لهيام أن اليد التي تصنع الجمال تستطيع أيضًا أن تصنع مستقبلًا أفضل.

بائعه التفاح

في الزاوية القديمة من السوق الشعبي، حيث تختلط رائحة الخبز الساخن بصوت الباعة ونداءات الأطفال، كانت تجلس امرأة تُدعى أمينة خلف سلة كبيرة مليئة بالتفاح الأحمر والأخضر.

لم يكن متجرها يشبه بقية المتاجر؛ لا أضواء لامعة، ولا لافتات كبيرة، فقط صندوق خشبي قديم وقطعة قماش بيضاء تضع عليها التفاح بعناية كأنها ترتب جواهر ثمينة.

كانت أمينة تأتي كل صباح قبل الجميع.

تمشي بخطوات بطيئة وهي تحمل سلتها الثقيلة، ثم تجلس في المكان نفسه الذي جلست فيه منذ سنوات طويلة.

كانت تمسك كل تفاحة وتمسحها بطرف منديل صغير حتى تلمع تحت ضوء الشمس، ثم ترتبها في صفوف جميلة.

وكان المارة يلاحظون دائمًا ابتسامتها الهادئة، رغم أن التعب كان واضحًا في عينيها.

في أحد الأيام، توقف طفل صغير أمامها.

 كان اسمه سامر، في التاسعة من عمره، يحمل حقيبته المدرسية وينظر إلى التفاح بإعجاب.

قال لها ببراءة:”لماذا تهتمين بالتفاح كثيرًا؟”

ابتسمت أمينة وقالت:”لأن الناس تأكل بأعينها أولًا يا صغيري.”

ضحك سامر وقال:”أمي تقول الشيء نفسه عندما تطبخ.”

أعجبها ذكاؤه، فأعطته تفاحة صغيرة حمراء.

“هذه هدية.”

تردد سامر قليلًا ثم قال:”لكن معي نقود قليلة فقط.”

هزّت رأسها مبتسمة:”ليست كل الأشياء الجميلة تُشترى بالنقود.”

منذ ذلك اليوم، صار سامر يمر عليها كل صباح قبل المدرسة.

أحيانًا يشتري تفاحة، وأحيانًا يجلس معها لدقائق قليلة فقط.

كان يحب سماع قصصها عن السوق القديم، وعن الأيام التي كان الناس فيها يعرفون بعضهم بالاسم، وعن زوجها الراحل الذي كان يبيع التفاح معها منذ زمن بعيد.

ذات صباح ممطر، جاء سامر ولم يجد أمينة في مكانها المعتاد.

كانت البسطة فارغة، والمطر يضرب الأرض بقوة.

شعر الطفل بالقلق، فسأل أحد الباعة القريبين.

قال الرجل:”أمينة مريضة اليوم.

يبدو أن البرد أتعبها.”

عاد سامر إلى البيت حزينًا.

لم يستطع التوقف عن التفكير فيها.

وفي المساء، أخذ حصّالته الصغيرة التي كان يدخر فيها نقوده لشراء لعبة جديدة، وذهب مع والده إلى متجر الفواكه.

اشترى صندوقًا من التفاح الطازج، وطلب من والده أن يساعده.

في صباح اليوم التالي، فوجئت أمينة بوجود سامر أمام باب بيتها الصغير وهو يحمل الصندوق بابتسامة واسعة.

قال بخجل:”أحضرت لك تفاحًا… حتى لا تتعبي.”

وقفت أمينة صامتة للحظة، ثم امتلأت عيناها بالدموع.

لم تكن الدموع بسبب التفاح، بل لأن أحدًا تذكرها، واهتم بها، ورأى تعبها الذي أخفته سنوات طويلة خلف ابتسامتها الهادئة.

قالت بصوت مرتجف:”أنت طيب جدًا يا سامر.”

أجاب الطفل بسرعة:”أنت أيضًا طيبة… وأطيب تفاح في السوق عندك.”

ضحكت أمينة لأول مرة منذ أيام، وشعرت أن قلبها صار أخف من قبل.

بعد أسبوع، عادت إلى السوق.

لكنها هذه المرة وجدت شيئًا مختلفًا.

كان سامر قد صنع لها لافتة صغيرة كتب عليها بخط طفولي غير مرتب:”تفاح أمينة… يُباع بالمحبة.”

علّقها فوق البسطة بنفسه.

بدأ الناس يتوقفون لقراءة اللافتة، ثم يشترون التفاح وهم يبتسمون.

صار الجميع يعرف أمينة، لا كبائعة فقيرة، بل كامرأة تنشر اللطف في السوق الصغير.

وفي كل صباح، كانت تضع تفاحة إضافية جانب السلة.

وعندما يسألها أحدهم عنها، تبتسم وتقول:”هذه لشخص يحتاج يومًا جميلًا.”

ومع مرور الأيام، اكتشف أهل السوق أن التفاح ليس الشيء الوحيد الذي كانت أمينة تبيعه… لقد كانت توزع الدفء والأمل والمحبة في أكياس صغيرة حمراء وخضراء.